الجسد الأنثوي وقود الأزمة: إعادة الإنتاج الاجتماعي واقتصاد الحرب في السودان



عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 3 / 8

في الثامن من مارس من كل عام، تتحول أيقونات نسائية إلى غطاء أيديولوجي لإعادة إنتاج النظام الذي يستغل النساء يومياً. يحتفل العالم بـ"يوم المرأة العالمي" بينما تتواصل المجازر بحق النساء في غزة والسودان والكونغو، وتستمر البرجوازية في تحويل نضالات النساء إلى طقوس استهلاكية وبيانات احتفالية لا تمس جوهر الاستغلال. اليوم الذي وُلد من نضالات العاملات في المصانع والشوارع يجري اختطافه كل عام من قبل المؤسسات الدولية ليصبح مناسبة لتلميع صورة الرأسمالية نفسها التي تنتج الفقر والحروب. الاحتفاء بالمرأة ليوم واحد لا يعني سوى إخفاء واقع استغلالها في بقية أيام السنة، وتكريم قلة من "الناجحات" ليس سوى ستار يحجب معاناة ملايين النساء الكادحات.

معاناة المرأة السودانية اليوم هي تتويج لمسار طويل من إعادة هيكلة الاقتصاد السوداني لصالح رأس المال، بدأ مع سياسات التحرير الاقتصادي النيوليبرالية في تسعينيات القرن الماضي وتسارع مع تفكيك القطاع الزراعي وتحويل الموارد من الإنتاج إلى التهريب والذهب والمرابحة المالية. هذا التحول البنيوي هو الذي هيأ الأرضية لانفجار الصراع الحالي، ووضع النساء في موقع الصدام المباشر مع آلة الاستغلال المزدوج: استغلال داخل المنزل عبر العمل غير المدفوع، واستغلال خارجه عبر أدنى الأجور وأقسى الظروف.

تقف المرأة العاملة في السودان عند نقطة التقاء شكلين متكاملين من الاستغلال الرأسمالي. يتمثل الشكل الأول في إدماجها في سوق العمل بأقل الأجور وأسوأ الظروف، خصوصاً في الزراعة التقليدية حيث تشكل العمود الفقري لقوة العمل الموسمية، وفي الاقتصاد غير الرسمي الهش الذي يمتص الغالبية الساحقة من النساء العاملات. هنا لا تدفع الرأسمالية المحلية ثمناً لإعادة إنتاج قوة العمل هذه، لأنها تستوردها جاهزة من المنزل. أما الشكل الثاني فيتمثل في العمل المنزلي غير المدفوع: تربية الأطفال، رعاية المرضى، إعداد الطعام، تدبير شؤون الأسرة. هذا العمل غير المرئي، الذي لا يدخل في حسابات الناتج المحلي، هو الشرط المادي اليومي لاستمرار التراكم الرأسمالي. إنه الوجه الخفي للأرباح التي يجنيها كبار المزارعين والتجار. وقد أشارت ألكسندرا كولونتاي إلى هذه النقطة بدقة حين قالت: "المرأة العاملة تعاني تحت وطأة عبئين: عملها في المصنع أو الحقل، ثم عملها في المنزل. وتحررها الحقيقي لن يبدأ إلا حين تتحول الأعمال المنزلية من مسؤولية فردية إلى خدمة اجتماعية".

مع اندلاع الحرب في عام 2023، لم تخلق الأزمة واقعاً جديداً بقدر ما كشفت وكثفت ما كان كامناً في البنية ذاتها. انهيار الخدمات الصحية والتعليمية لم يكن مجرد عطب مؤقت، بل نقل عبء الرعاية بكامله إلى داخل الأسر، حيث وجدت النساء أنفسهن في خط المواجهة الأول مع الموت والمرض والجوع. في مخيمات النزوح وأحياء الفقر المكتظة، تقوم النساء بمهام مستحيلة: البحث عن الماء تحت القصف، تمريض الجرحى بلا أدوية، حماية الأطفال من الاغتصاب والتجنيد، توفير الطعام في أسواق انهارت وأسعار انفجرت. هذه المهام ليست اختياراً بل إكراهاً يفرضه موقعهن في أسفل السلم الطبقي.

في هذا المشهد، يبرز التفاوت الطبقي كفاصل حاسم في توزيع الموت والمعاناة. فالنساء المنتميات إلى الطبقات الميسورة يملكن خيارات مغلقة أمام الأغلبية: السفر إلى الخارج، تلقي العلاج في عيادات خاصة، تحويل رؤوس أموالهن إلى ملاذات آمنة، وشراء الأمان بجواز سفر أجنبي. أما النساء الكادحات، اللواتي شكلن القاعدة الإنتاجية للمجتمع، فيبقين عالقات في دائرة النار، يدفعن ثمن الأزمة بأجسادهن وأولادهن. هكذا تتجلى العدالة الطبقية في صورتها الأكثر وحشية: الحرب لا تقتل الجميع بالتساوي.

يتخذ العنف ضد النساء في اقتصاد الحرب طابعاً منظماً يتجاوز الاعتداءات الفردية. فاستخدام الاغتصاب كسلاح في مناطق النزاع ليس مجرد انتهاك لحقوق الإنسان، بل أداة مادية لإخضاع المجتمعات المحلية وكسر قدرتها على البقاء في أراضيها. يرتبط هذا العنف مباشرة بالبنية الاقتصادية للصراع، إذ تدور الحرب في السودان حول السيطرة على الموارد التي أصبحت تشكل العمود الفقري لاقتصاد المليشيات: مناجم الذهب في دارفور وجنوب كردفان، شبكات التهريب العابرة للحدود الممتدة نحو ليبيا وتشاد والبحر الأحمر، ومسارات تصدير الذهب إلى السوق الرأسمالية العالمية عبر وسطاء إقليميين وشركات مرتبطة بالتعدين. في هذا الإطار يتشكل اقتصاد حربي يقوم على نهب الموارد وتمويل التسلح خارج أي رقابة اجتماعية، فتتحول المليشيات إلى طبقة عسكرية طفيلية تراكم الثروة عبر العنف المباشر. داخل هذه البنية يصبح جسد المرأة إحدى ساحات الصراع المادي: وسيلة لإرهاب السكان، وتفكيك الروابط الاجتماعية التي تعيق السيطرة على الأرض والموارد، وإعادة تشكيل الخريطة السكانية بما يخدم مصالح القوى المسلحة وشبكات التجارة المرتبطة بها.

في العمق نفسه، يفرض الفقر المدقع في مناطق النزوح خيارات بقاء قاسية تتحول معها أجساد النساء إلى سلعة في سوق لا يخضع لأخلاق سوى أخلاق الربح. زواج القاصرات يتصاعد كآلية لتخفيف الأعباء عن الأسر المنهارة، والنساء الأرامل والنازحات يجدن أنفسهن مضطرات للدخول في علاقات غير رسمية أو أنشطة مرتبطة بالاقتصاد الجنسي لمجرد البقاء على قيد الحياة. هذه الظواهر ليست كما يصورها الخطاب الأخلاقي السائد "انحداراً قيمياً"، بل هي نتاج مباشر لانهيار كل بدائل العيش الكريم. إنها الطريقة التي يحول بها النظام الاقتصادي الجسد الأنثوي إلى وقود لاستمراره حتى في لحظات تفككه الظاهري.

هنا تبرز مهمة خطيرة تقوم بها التنظيمات النسوية البرجوازية والمنظمات غير الحكومية، التي تسلب صوت النساء الحقيقيات تحت شعار "التمثيل" و"المناصرة". في المؤتمرات الفاخرة وورش العمل الممولة، تتحول قضايا النساء الكادحات إلى مواد للنقاش الأكاديمي وإحصائيات باردة، بينما تغيب النسوة أنفسهن عن تمثيل ذواتهن. هذه التنظيمات تتحدث باسم النساء دون أن تسمح لهن بالكلام، وتصوغ مطالب لا تمس مصالح الطبقات المسحوقة، وتقدم وصفات إصلاحية تكرس الاستغلال بدلاً من إنهائه. وقد حذر فريدريك إنجلز منذ أكثر من قرن من هذا الفخ حين كتب في "أصل العائلة والملكية الخاصة": "إن تحرر المرأة لا يمكن أن يتم طالما بقيت مستبعدة من العمل الاجتماعي المنتج، وطالما ظل العمل المنزلي يستهلك طاقتها. لكن هذا التحرر لا يأتي عبر منح فردية، بل عبر إعادة تنظيم المجتمع بكامله".

في مواجهة هذا الواقع، تقدم بعض المبادرات المدعومة من المؤسسات الدولية نموذجاً "للتمكين" يقوم على التمويل الأصغر والمشاريع الفردية الصغيرة. هذه البرامج تؤدي وظيفة أيديولوجية واضحة: تحويل الفقر إلى مشكلة فردية يمكن حلها بمبادرة شخصية، بدلاً من كونه نتاج بنية طبقية تحتاج إلى تغيير جذري. المرأة هنا يطلب منها أن تصبح رائدة أعمال صغيرة تتحمل وحدها مخاطر السوق، فيما تظل الخدمات الأساسية غائبة. هكذا تتحول فكرة "التمكين" إلى أداة لإدارة الفقر وتطبيع الاستغلال، لا إلى وسيلة للتحرر منه.

يغفل الخطاب السائد عن قضايا النساء في السودان فوارق طبقية حاسمة تمنع أي تضامن نسوي آلي. فليس لمصالح المرأة التي تمتلك مشروعاً تجارياً أو أرضاً زراعية أن تتطابق مع مصالح المرأة التي تعمل لديها بأجر زهيد. يمثل هذا التفاوت تناقضا حقيقيا تعيده الحرب إلى الواجهة بقسوة. ففي غياب تحليل طبقي يضع هذه الفوارق في صلب التحليل، تظل الدعوات إلى "حقوق المرأة" عامة ومجردة، قادرة على استيعاب مصالح نساء الطبقات العليا دون أن تمس جذور معاناة الأغلبية الكادحة.

في خضم هذا المشهد المظلم، تشكل النساء السودانيات اليوم رأس حربة النضال القاعدي ضد الحرب والاستغلال. في أحياء الفقر المكتظة، في مطابخ الإسعاف الجماعي، في لجان المقاومة وتنظيمات غرف الطوارئ، في مخيمات النازحين، تقف النساء في الصفوف الأمامية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هذا النضال اليومي، غير المرئي إعلامياً، وغير المموّل من المنظمات الدولية، هو الذي يحافظ على تماسك المجتمع ويمنع انهياره الكامل. والأهم من ذلك، أن هذه الشبكات القاعدية تحمل في طياتها إمكانية التحول إلى بنى تنظيمية دائمة، قادرة على تجاوز مرحلة الإغاثة الطارئة إلى مرحلة بناء قوة سياسية بديلة تمثل مصالح الطبقات المسحوقة.

من هنا يصبح واضحاً أن تحسين وضع النساء في السودان لا يمكن أن يتحقق عبر دمجهن في سوق العمل القائم أو عبر مشاريع فردية محدودة. المشكلة ليست في غياب فرص التمكين الفردي، بل في بنية اقتصادية كلية تنتج الفقر والحرب وتضع عبء الحياة اليومية على عاتق الفئات الأكثر هشاشة. معالجة هذه الأزمة تتطلب إعادة تنظيم جذرية للموارد والخدمات الاجتماعية، بحيث تصبح التعليم والصحة والرعاية للأطفال وكبار السن مسؤولية جماعية تتحملها الدولة والمجتمع، لا عبئاً فردياً تتحمله النساء داخل المنازل. إنها تتطلب قلب العلاقة بين العمل المنتج والعمل الإنجابي، والاعتراف بأن استمرار المجتمع ذاته يقوم على عمل النساء غير المدفوع، وأن هذا العمل يجب أن يكون أساساً للحقوق لا للاستغلال.

يرتبط واقع النساء في السودان بالبنية الطبقية التي تنتج الحرب والفقر معاً. فالعنف الذي تتعرض له النساء، والعمل غير المدفوع الذي يضمن بقاء الأسر في ظروف الانهيار، والعبء اليومي لإعادة إنتاج الحياة في النزوح والخراب، كلها ليست ظواهر منفصلة بل نتائج مباشرة لنظام اقتصادي يقوم على نهب الموارد وتراكم الثروة عبر الحرب. لذلك لا يمكن اختزال قضية المرأة في سياسات التمكين الفردي أو في إصلاحات قانونية معزولة؛ إن تحرر النساء الكادحات يمر عبر النضال ضد النظام الاجتماعي الذي يحول العمل المنزلي والرعائي إلى عبء خاص تتحمله النساء، ويحوّل الثروة العامة إلى ملكية لقلة عسكرية وتجارية. من داخل هذا التناقض تولد أيضاً إمكانات المقاومة، حيث تتحول شبكات التضامن الشعبي والعمل الجماعي في الأحياء ومخيمات النزوح إلى أشكال أولية لتنظيم اجتماعي جديد يعيد توزيع أعباء الحياة ومواردها بصورة عادلة. وكما كتبت ألكسندرا كولونتاي: "لا يكفي أن نمنح المرأة الحق في العمل، بل يجب أن نحررها من العبودية المنزلية. الثورة الحقيقية تبدأ عندما يصبح المطبخ وغسل الملابس ورعاية الأطفال مسؤولية المجتمع بأسره، لا عبئاً على أكتاف النساء وحدها".

النضال مستمر،،