|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله بولرباح
!--a>
2026 / 3 / 8
كشفت الباحثة فاطمة السرار في دراسة لها تحت عنوان "المرأة في عهد المرابطين"، أهمية الرجوع إلى التاريخ لكشف الغشاوة الأيديولوجية التي أصبحت تحيط بواقع النساء في حاضر المغرب، مشيرة إلى أنه " رغم التحولات التي شهدها المجتمع المغربي، إلا أننا نعتقد أن المرأة لا تزال قابعة في الدرك الأسفل للتمثلات الاجتماعية، ومشجبا تعلق عليه كل التهم، مما يكشف عن مكانتها في الوعي الجمعي وذهنية المجتمع". تشير الباحثة إلى أن هذه النظرة "بنيت على أسس مرجعية وفكرية ودينية آن لها أن تناقش". في هذا السياق، اوضخت الباحثة أن مساءلة التاريخ بإمكانها "تحديد جذور هذه التمثلات، وتصحيح كثير منها"، بذلك يبقى التاريخ "أفضل سبيل لمراجعة كثير من القضايا التي تخص المرأة. "
اعتمدت الباحثة في دراستها على منهجية علمية، لا تقف عند حدود السرديات وأقوال السلف، بل حاولت النفوذ إلى ما وراء السرديات، لإعادة استكشاف واقع المرأة في تلك الحقبة التاريخية، متجاوزة بذلك سيرة النقل إلى إعمال العقل، ونهج التحليل الملموس، لما وصلنا من معلومات عبر مصادر مختلفة، وإخضاعها للأدوات العلمية للعصر الراهن.
دعمت الأستاذة فاطمة السرار بحثها بعدد هام من المصادر والمراجع التاريخية والدراسات الاكاديمية، مما جعل البحث مرجعا مفيدا في هذا الموضوع.
أشارت الباحثة إلى أن اختيارها لهذا الموضوع نابع من راهنيته وأهميته في النقاش المجتمعي المغربي، حيث لا تزال قضية المرأة مثار جدل بين مؤيد ومعارض، رغم التحولات التي عرفها المغرب، مؤكدة أن التاريخ يمكن أن يساعد في تفكيك التمثلات التقليدية وتصحيح النظرة إلى المرأة من خلال دراسة جذورها الفكرية والدينية.
يشير النص إلى أن الدراسات الغربية سبقت في هذا المجال، خاصة المدرسة الفرنسية في السبعينيات والمدرسة الأمريكية في التسعينيات بمفهوم “تاريخ النوع”، بينما ما تزال الدراسات المغربية حول المرأة محدودة. أما عن المصادر الخاصة بالعصر المرابطي فهي نادرة ومتناثرة بسبب هيمنة العقلية الذكورية وغياب كتابات نسائية معاصرة.
أكدت الباحثة أن الهدف من البحث هو إعادة قراءة تاريخ المرأة المغربية وإبراز حضورها الفاعل في الماضي والحاضر والمستقبل.
تعميما للفائدة، نقدم فيما يلي ملخصا تركيبيا لهذه الدراسة الهامة.
اعتمدت الباحثة، فاطمة السرار على منهج تاريخي تحليلي، وجاء بحثها في فصلين:
• الأول درس أوضاع المرأة المرابطية وتمثلاتها الاجتماعية وأدوارها في الأسرة والمجتمع.
• الثاني تناول إسهاماتها في السياسة والحرب والثقافة، مع إبراز نماذج مثل زينب النفزاوية.
الفصل الأول: أوضاع المرأة المغربية في العصر المرابطي
يتناول هذا الفصل وضعية المرأة المغربية خلال العصر المرابطي، باعتبارها فاعلا اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا داخل بنية مجتمع شهد تحولات كبرى في القيم والذهنيات. ويهدف إلى استجلاء صورتها في الفكر والواقع، من خلال تحليل النصوص الفقهية والأدبية والنوازل، وما عكسته من تناقض بين الخطاب الديني المحافظ والواقع الاجتماعي المتنوع.
1- صورة المرأة في المجتمع المرابطي
كشفت النصوص عن هيمنة نظرة دونية للمرأة، إذ اعتبرها الفقهاء والعامة ناقصة العقل والدين ومصدر فتنة، فدعيت إلى العزلة والطاعة والخضوع. غير أن هذه الصورة لم تكن مطلقة، فقد تميزت المرأة الصنهاجية بمكانة خاصة داخل مجتمعها الأميسي، حيث شاركت الرجال في المجالس، واحتفظت بحرية نسبية في اللباس والاختلاط والعمل، نتيجة الخلفية الثقافية الأمازيغية ذات الطابع الأمومي.
2- أدوار المرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية
مارست النساء أنشطة متعددة: الغزل، النسيج، التجارة، الفلاحة، والخدمة المنزلية، كما شاركن في الأسواق عقدا وبيعا وشراء. وقد عرفت بعض النساء باستقلاليتهن الاقتصادية وامتلاكهن للثروة. في المقابل، وجدت فئة من المومسات خاضعة للرقابة الرسمية، تعكس تعقيد البنية الاجتماعية آنذاك.
3- الحياة الأسرية والعلاقات الزوجية
تميز العصر المرابطي بانتشار ظواهر اجتماعية كالعنوسة والإكراه في الزواج، بسبب اختلال التوازن الديموغرافي وكثرة الحروب. ورغم خضوع الزواج لسلطة الأهل، ظهرت نماذج لنساء تمتعن بحرية الاختيار، خصوصاً في الطبقات العليا مثل زينب النفزاوية. وقد شهدت الحياة الزوجية تباينا بين علاقات قائمة على المودة وأخرى يسودها العنف أو الغياب أو الخيانة، مع استمرار نظام التعدد والتسري. كما أثبتت النوازل ممارسة الطلاق كحل مقبول اجتماعيا، وضمنت الشريعة للمرأة حق النفقة والمسكن بعد الطلاق.
4- مظهر المرأة ولباسها
عكست أزياء النساء التفاوت الطبقي الواضح بين العامة والخاصة. فنساء العامة لبسن الصوف والقطن، بينما تأنقت نساء الخاصة في أقمشة الحرير المستوردة من الأندلس وسجلماسة، متأثرات بالترف الحضري الذي رافق اتصال المرابطين بالعمران الأندلسي.
الفصل الثاني: إسهامات نساء العصر المرابطي في السياسة والعلم والثقافة
رغم قلة المصادر التي تناولت المرأة في العصر المرابطي، إلا أن ما توفر منها يكشف عن حضور نسوي مهم في مجالات متعددة. فلم تكن المرأة بعيدة عن الشأن السياسي أو الحربي أو الثقافي، بل شاركت أحيانا في توجيه القرار السياسي، وساهمت في الدفاع العسكري، كما كان لها حضور واضح في ميادين العلم والأدب.
1- المرأة والسياسة في العصر المرابطي
لم يكن المجال السياسي حكرا على الرجال، إذ برزت بعض النساء اللواتي كان لهن تأثير واضح في شؤون الحكم. ومن أبرزهن زينب النفزاوية التي عرفت بجمالها وذكائها ورجاحة عقلها، وكان لها دور بارز في دعم زوجها يوسف بن تاشفين. فقد قدمت له المال والمشورة، وساهمت في تثبيت حكمه وتوسيع نفوذه، حتى عرفت بكونها مستشارته المقربة. كما تدخلت في بعض شؤون الدولة مثل تعيين وعزل القضاة، الأمر الذي يدل على مكانتها السياسية الكبيرة داخل الدولة المرابطية.
وفي المقابل، تمثل الجارية قمر نموذجا سلبيا لتدخل المرأة في السياسة. فقد كانت جارية الأمير علي بن يوسف وأم ابنه سير، وتمكنت بذكائها من التأثير على الأمير والتدخل في قراراته السياسية. وسعت إلى ضمان ولاية العهد لابنها، فدخلت في صراعات داخل البلاط وأسهمت في إقصاء بعض الأمراء، الأمر الذي أدى إلى اضطرابات داخل الدولة وأسهم في إضعافها خلال مراحلها الأخيرة.
2- المرأة والحرب في العصر المرابطي
لم يقتصر دور المرأة المرابطية على المجال المنزلي، بل شاركت أيضا في الحروب والدفاع عن القبيلة والدولة. فقد عرف عن نساء الصحراء الشجاعة والمشاركة في القتال، حتى إن بعضهن كن يرتدين لباس الرجال ويشاركن في المعارك ضمن الجيش المرابطي. وتذكر المصادر مشاركة نساء في معارك ضد الأعداء، ومنهن المقاتلة فانو بنت عمر بن ينتيان التي دافعت ببسالة عن أحد الحصون حتى قتلت. كما برزت نساء أظهرن شجاعة في مواجهة الأسر، مثل تاماكونت بنت سير التي استطاعت بجرأتها أن تحصل على إطلاق سراحها مع عدد كبير من الأسيرات.
3- المرأة والثقافة في العصر المرابطي
في المجال الثقافي، حظيت بعض النساء بفرص التعليم خاصة في أوساط الأسر العلمية والطبقات الراقية. فقد كانت الفتاة تتلقى تعليمها غالبا على يد والدها أو أحد أقاربها، كما كانت بعض النساء يعلمن غيرهن من النساء. ومن النساء اللواتي برزن في العلم والرواية أم هانئ بنت ابن عطية وفاطمة بنت الصدفي اللتان اشتهرتا بحفظ القرآن ورواية الحديث.
كما برزت المرأة المرابطية في مجال الأدب والشعر، خاصة في الأندلس، حيث ظهرت شاعرات مثل حواء بنت تاشفين ونزهون بنت القلاعي وحمدونة بنت زياد التي لقبت بخنساء المغرب، وتميز شعرهن بالغزل ووصف الطبيعة والهجاء. غير أن هذا الحضور الثقافي ظل غالبا مقتصرا على نساء البلاط والطبقات الثرية، في حين عانت نساء العامة من الأمية وقلة فرص التعلم.
خلاصة
يتضح أن المرأة المرابطية ساهمت في مختلف مجالات الحياة السياسية والعسكرية والثقافية، واستطاعت أن تترك بصمة واضحة في تاريخ الدولة المرابطية. غير أن هذه الأدوار كانت غالبا حكرا على نساء البلاط والطبقات الرفيعة، بينما بقيت غالبية نساء العامة بعيدة عن التعليم والمشاركة الواسعة في الحياة العامة.
أبرزت هذه الدراسة أن المرأة في العصر المرابطي كانت تعيش بين قيد الخطاب الفقهي الذكوري وواقع اجتماعي أكثر انفتاحا، فرض حضورها الاقتصادي والاجتماعي. ورغم محدودية حريتها في المدن الكبرى، فإن نموذج المرأة الصنهاجية أظهر أن المجتمع المرابطي لم يكن موحدا في نظرته إلى النساء، بل كان ساحة لتفاعل مستمر بين المحافظة والانفتاح، بين السلطة الذكورية والمبادرات النسوية الذاتية.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|