إبستين و معايرة الغرب.. لماذا نحترم -الفضيحة- ونخشى -المكاشفة-؟



هدي رضا
2026 / 3 / 8

تُثار بين الحين والآخر موجات من الاستعلاء الأخلاقي لدى البعض عند قراءة أخبار الفضائح الكبرى في الغرب، ولعل قضية "جيفري إبستين" كانت الوقود الأبرز لهذه الموجة. لكن القراءة السطحية لهذه القضية تخفي وراءها دلالات جوهرية حول الفرق بين مجتمع يمتلك "جهاز مناعة" أخلاقي ومجتمعات تغرق في الإنكار والازدواجية.
المحاسبة كقيمة حضارية
إن التساؤل المنطقي الذي يتغافل عنه الكثيرون هو: مَن الذي كشف شبكة "إبستين"؟ ومَن الذي لاحق رموزها قضائياً؟ إنها المنظومة الغربية ذاتها. فبالرغم من نفوذ المتورطين وعلاقاتهم العابرة للقارات، إلا أن سيادة القانون والمجتمع المدني والصحافة الاستقصائية كانت هي المحرك لإسقاط هذه الأقنعة. الجريمة في الغرب ليست "ثقافة" بل هي خروج عن القاعدة يُعاقب عليه القانون، بينما تكمن الأزمة الحقيقية حين تتحول التجاوزات في مجتمعات أخرى إلى "سلوك مجتمعي" محاط بالصمت أو المباركة.
حصانة النفوذ وحتمية المكاشفة
قد يبدو من المفارقة أن تزيد قضية "إبستين" من تقديري للمنظومة الغربية، لكن التمعن في تفاصيلها يكشف عن حقيقة مذهلة: إنها منظومة تمتلك من الشجاعة ما يكفي لتطهير ذاتها علناً. وهنا يبرز الفارق الجوهري في "آليات الكشف"؛ ففي المجتمعات التي تحكمها المؤسسات، لا توجد حصانة مطلقة فوق سلطة القانون، وخير دليل هو الجرأة في كشف تورط شخصيات كانت -أو لاتزال- في هرم السلطة، وتداول أسماء بحجم رؤساء سابقين وأمراء ومسؤولين دوليين تحت مجهر القضاء.
هل كان لشبكة مثل شبكة "إبستين" أن تنكشف خيوطها لو كانت تعمل في ظل نظام شمولي يقدس "الكبار" ويمنحهم صكوك الغفران؟ الحقيقة أن في الأنظمة الديكتاتورية تتحول جرائم النافذين إلى "أسرار دولة" يُنكل بمن يقترب منها، بينما في الغرب، تُعد "الفضيحة الذاتية" انتصاراً أخلاقياً؛ لأنها تعني أن المنظومة قوية بما يكفي لتقول لأعتى رجالها: "أنت قيد المحاسبة".
بين "الجريمة المنعزلة" و"الشرعنة المجتمعية"
لم يستطع "إبستين" ممارسة جرائمه إلا في جزيرة معزولة بعيداً عن أعين الرقابة، لأن القيم القانونية والمدنية الغربية ترفض هذه الانتهاكات جملة وتفصيلاً. وفي المقابل، نجد في واقعنا أنماطاً من الانتهاكات الصارخة تُمارس في وضح النهار وبمباركة مجتمعية؛ فظاهرة "زواج القاصرات" تحت غطاء العقود العرفية ما زالت تنهش في جسد الطفولة دون رادع قانوني حقيقي، بل ويُنظر لمقترفيها أحياناً كأصحاب "عفة وأصول"، في حين أنها في جوهرها جريمة استغلال لا تختلف عن جرائم "إبستين" إلا في كونها مغلفة بإطار من العادات والتقاليد أو التبريرات الأيديولوجية المتطرفة.
فجوة الوعي الأخلاقي
إن الفجوة بيننا وبينهم ليست مجرد سنوات ضوئية في التكنولوجيا، بل هي فجوة في "الوعي بالحقوق". فبينما ينشغل البعض برصد عورات الآخرين، يتناسون أن الانحطاط الأخلاقي الحقيقي هو التعايش مع الظلم، والصمت عن التحرش، وقبول انتهاك الضعفاء، والتعود على مشهد أب يزوج ابنته أو مسؤول يتجاوز سلطته، ثم الادعاء بأننا حماة الأخلاق والفضيلة.
خاتمة
قبل أن نصوب سهام نقدنا نحو "النموذج الغربي"، علينا أولاً أن نجرؤ على النظر في مرآتنا بصدق. المنظومة الأخلاقية لا تُقاس بالشعارات، بل بمدى قدرة القانون على حماية أضعف أفراد المجتمع من تغول أقواهم. الغرب ليس مثالياً ولا يسكنه الملائكة، لكنه نجح في إيجاد "منظومة عقاب" فعالة، بينما لا يزال البعض يقتات على وهم الأفضلية وهو متطبع مع العفن الأخلاقي اليومي في واقعه المسكوت عنه.