كلارا زتكين: المسألة النسوية في قلب الصراع الطبقي



سعد بن علال
2026 / 3 / 8

في كلِّ عام، ومع حلول اليوم العالمي للمرأة في 8 مارس، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر الشخصيات إلهامًا في تاريخ النضال الاجتماعي والنسوي: كلارا زتكين. لم يكن هذا اليوم مجرد مناسبة احتفالية عابرة في فكرها، بل كان مشروعًا نضاليًا يربط بين تحرّر النساء والنضال الأوسع من أجل العدالة الاجتماعية وتحرّر الإنسان من الاستغلال.
لقد أدركت زتكين مبكرًا أن قضية النساء ليست مسألة أخلاقية أو إنسانية مجردة فحسب، بل قضية سياسية واجتماعية ترتبط ببنية المجتمع نفسه. لذلك دافعت عن فكرة يوم عالمي توحّد فيه النساء العاملات والمناضلات أصواتهن عبر العالم، ليس فقط للمطالبة بالحقوق، بل لتأكيد حضورهن كقوة تاريخية قادرة على تغيير الواقع.
ومنذ أن طرحت هذا المقترح في المؤتمر الدولي للنساء الاشتراكيات سنة 1910، تحوّل 8 مارس إلى رمز عالمي للنضال النسوي والاجتماعي، وإلى تذكير دائم بأن الحقوق لم تكن يومًا هبة، بل ثمرة كفاح طويل خاضته نساء شجاعات في مواجهة التمييز والاستغلال.
في هذه المناسبة، يصبح استحضار تجربة كلارا زتكين أكثر من مجرد استذكار تاريخي؛ إنه استعادة لروح نضالية ربطت بين قضية النساء وقضية التحرر الإنساني الشامل، وطرحت سؤالًا ما زال راهنًا حتى اليوم: كيف يمكن لنضال النساء أن يكون جزءًا من مشروع تحرري أوسع يغيّر المجتمع لا أن يكتفي بتجميله؟
ومن هنا تنطلق هذه القراءة في مسار كلارا زتكين، في أفكارها، وفي المعنى العميق الذي أرادته ليوم 8 مارس.
في تاريخ الحركة العمالية العالمية، برزت شخصيات عديدة حاولت الربط بين قضايا التحرر الاجتماعي ومختلف أشكال الاضطهاد. غير أن قلة من هذه الشخصيات نجحت في صياغة تصور نظري وسياسي متماسك حول علاقة اضطهاد النساء بالبنية العميقة للنظام الرأسمالي مثلما فعلت كلارا زتكين. لم تكن زتكين مجرد مناضلة نسوية، ولا مجرد قيادية في الحركة الاشتراكية الألمانية، بل كانت مفكرة سياسية سعت إلى إدماج المسألة النسوية داخل أفق التحول الاشتراكي للمجتمع.
لقد فهمت زتكين مبكرًا أن قضية المرأة لا يمكن أن تُختزل في مطالب قانونية أو أخلاقية معزولة عن البنية الاقتصادية والاجتماعية. فاضطهاد النساء، في نظرها، ليس مجرد بقايا ثقافية لماضٍ أبوي، بل هو جزء من آليات إعادة إنتاج النظام الاجتماعي القائم.
الرأسمالية وإعادة إنتاج الاضطهاد
شهدت أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر توسعًا سريعًا للرأسمالية الصناعية. هذا التحول أدى إلى إدماج أعداد متزايدة من النساء في سوق العمل، خاصة في القطاعات ذات الأجور المنخفضة. غير أن هذا الإدماج لم يكن يعني التحرر، بل غالبًا ما كان يعني مضاعفة الاستغلال.
هنا تكمن إحدى مساهمات زتكين النظرية الأساسية: فقد رأت أن الرأسمالية لم تُلغِ البنية الأبوية، بل أعادت توظيفها داخل منطقها الاقتصادي. فالنساء العاملات يشكّلن قوة عمل رخيصة، كما أن العمل المنزلي غير المدفوع الذي تقوم به النساء يساهم في إعادة إنتاج قوة العمل دون أن تتحمل الرأسمالية تكلفته.
بهذا المعنى، يصبح اضطهاد النساء جزءًا من آلية تراكم رأس المال. ومن هنا أيضًا ينبع نقدها الحاد لما كان يُسمّى آنذاك بالنسوية الليبرالية.
نقد النسوية البرجوازية
كانت زتكين ترى أن النسوية البرجوازية تعكس في جوهرها مصالح النساء المنتميات إلى الطبقات الوسطى والعليا. فهذه التيارات كانت تركز أساسًا على مطالب مثل حق التصويت أو الولوج إلى التعليم والمهن الحرة.
لم تكن زتكين ترفض هذه المطالب من حيث المبدأ، لكنها كانت ترى أنها غير كافية، بل قد تصبح أحيانًا غطاءً لإخفاء التناقضات الطبقية داخل المجتمع. فالمرأة البرجوازية، حين تناضل من أجل المساواة مع الرجل البرجوازي، لا تطعن في النظام الاجتماعي الذي يستغل ملايين النساء العاملات.
لذلك شددت زتكين على أن الحركة النسوية الحقيقية يجب أن تكون مرتبطة بالحركة العمالية. فالمسألة ليست مجرد مساواة بين الجنسين داخل المجتمع القائم، بل تغيير هذا المجتمع نفسه.
النساء والحركة العمالية
من هذا المنطلق كرّست زتكين جزءًا كبيرًا من نشاطها لتنظيم النساء العاملات داخل الحركة الاشتراكية، خصوصًا داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني الذي كان في نهاية القرن التاسع عشر أكبر حزب عمالي في أوروبا.
غير أن هذا العمل لم يكن سهلًا. فقد كان حتى داخل الحركة العمالية نفسها نوع من التردد تجاه التنظيم المستقل للنساء. كان بعض النقابيين يخشون أن يؤدي تشغيل النساء إلى خفض الأجور أو إلى منافسة العمال الذكور.
واجهت زتكين هذه الأفكار بحزم. فقد اعتبرت أن تقسيم الطبقة العاملة على أساس الجنس يخدم مصالح الرأسمال. وإذا كان تشغيل النساء يؤدي إلى خفض الأجور، فالمشكلة ليست في النساء بل في النظام الذي يستغل الجميع.
بهذا المعنى، كان مشروعها يتمثل في دمج النساء داخل النضال الطبقي، لا كفئة منفصلة بل كجزء لا يتجزأ من الطبقة العاملة.
الأممية النسوية
لم يقتصر نشاط زتكين على ألمانيا. فقد لعبت دورًا مهمًا في بناء شبكة أممية للحركة النسوية الاشتراكية. ومن أبرز مبادراتها اقتراح تنظيم يوم عالمي لنضال النساء خلال مؤتمر النساء الاشتراكيات سنة 1910، وهو الحدث الذي أدى لاحقًا إلى ميلاد اليوم العالمي للمرأة.
لم يكن هذا اليوم مجرد مناسبة رمزية، بل كان يُفهم في سياقه الأصلي كأداة تعبئة سياسية للنساء العاملات في مختلف البلدان.
الحرب والانقسام الكبير
شكّل اندلاع الحرب العالمية الأولى لحظة مفصلية في تاريخ الحركة الاشتراكية. فقد دعمت قيادات العديد من الأحزاب الاشتراكية الأوروبية حكوماتها في الحرب، متخلية عمليًا عن مبدأ الأممية العمالية.
كانت زتكين من بين الأصوات القليلة التي رفضت هذا الانحراف. فقد اعتبرت الحرب صراعًا بين الإمبراطوريات الرأسمالية، يدفع العمال ثمنه دمًا وخرابًا. لذلك شاركت في تنظيم حركة نسوية أممية مناهضة للحرب، داعية النساء إلى رفض تحويل أبنائهن إلى وقود للصراعات الإمبريالية.
هذا الموقف وضعها في صف التيار الثوري داخل الحركة الاشتراكية، الذي انشق لاحقًا ليؤسس الحزب الشيوعي الألماني.
مواجهة الفاشية
في سنواتها الأخيرة، ومع صعود الأزمة الاقتصادية العالمية وبروز الحركات الفاشية في أوروبا، كانت زتكين من أوائل من حذروا من خطر هذه الظاهرة. فقد رأت في الفاشية محاولة من الرأسمالية المتأزمة لإعادة فرض سيطرتها عبر العنف والقومية المتطرفة.
وفي خطابها الشهير أمام الرايخشتاغ سنة 1932، دعت إلى جبهة موحدة للطبقة العاملة لمواجهة صعود ادولف هتلر. كان ذلك واحدًا من آخر تدخلاتها السياسية الكبرى قبل وفاتها سنة 1933.
راهنية فكرها
اليوم، بعد أكثر من قرن على كتاباتها الأساسية، لا تزال أفكار زتكين تحتفظ بقدر كبير من الراهنية. فالرأسمالية المعاصرة، رغم التحولات التي عرفتها، ما تزال تعتمد بدرجات مختلفة على العمل غير المرئي الذي تقوم به النساء داخل الأسرة، وعلى أشكال متعددة من التفاوت في الأجور وظروف العمل.
لكن الأهم من ذلك هو منهجها في التفكير: الربط بين مختلف أشكال الاضطهاد والبنية الكلية للنظام الاجتماعي. لقد رفضت زتكين الاختزال، سواء اختزال المسألة النسوية في مجرد صراع ثقافي، أو اختزال الصراع الطبقي في بعد اقتصادي ضيق.
بهذا المعنى، يمكن القول إن مساهمتها الأساسية لم تكن فقط في الدفاع عن حقوق النساء، بل في توسيع أفق النقد الاجتماعي نفسه. فقد ذكّرت الحركة العمالية بأن مشروع التحرر لا يمكن أن يكون شاملاً ما لم يضع تحرر النساء في قلبه.