ترتيلة الثامن من مارس: صرخة الوجود في هيكل الحرية



محفوظ بجاوي
2026 / 3 / 9

​في الثامن من مارس، تستيقظ الذاكرة على صوتِِ لم يكن يوماً مجرد صدى، بل هو ترتيلة الوجود الأولى ونبض الحياة الذي لا يهدأ. إن هذا اليوم ليس احتفالية عابرة تُطوى مع مغيب الشمس، بل هو وقفة تأمل في مسيرة كفاحُِ نُقشت حروفها بمداد الصبر وعرق الجبين. المرأة ليست فصلاً في كتاب، بل هي اللغة التي كُتب بها سفر التكوين، وهي القوة الناعمة التي صاغت وجدان البشرية وهذبت خشونة العالم برؤيتها. إن الدفاع عن حقوقها ليس ترفاً فكرياً أو هبة تجود بها المجتمعات، بل هو استعادة لتوازن كوني اختل حين حُجبت شمسها خلف أسوار التهميش والتبعية. إننا ندافع عن حقها في أن تكون ذاتاً مكتملة، لا ظلاً لآخر، وفي أن تمارس إنسانيتها بلا وصاية أو قيود بالية تقتات على كرامتها. فالحرية التي تطالب بها المرأة هي ذاتها الحرية التي تمنح المجتمع بأسره أجنحة للتحليق نحو آفاق العدالة والحداثة. وحين نكسر أغلال التمييز، فنحن لا ننتصر لجنس على آخر، بل ننتصر للعقل الذي لا يعرف جنساً، وللقلب الذي يتسع لكل آلام الأرض وأحلامها. إن كل امرأة تقاوم الجهل بالعلم، وتواجه العنف بالصمود، هي منارة تضيء دروب الأجيال القادمة نحو غدِِ يتساوى فيه الجميع أمام ميزان الحق. فليكن هذا اليوم ميثاقاً غليظاً نجدد فيه العهد بأن صوت المرأة هو ثورة الحق، وأن حضورها هو اكتمال الحضارة، وأن غيابها هو انحدار نحو ظلمات العصور التي ولى زمانها. إنها معركة الوعي التي لن تنتهي إلا حين يصبح احترام المرأة ثقافة تسري في العروق، لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. إنها حارسة النار المقدسة التي لم تنطفئ جذوتها رغم رياح القمع، ومبدعة المعنى في ثنايا العدم، والمناضلة التي تخط بدموعها وابتساماتها ملاحم التحرر من أغلال العبودية المقنعة. فما من فجر يشرق إلا وكان للمرأة في انبثاقه يدُُ، وما من مجد يُبنى إلا وكان في أساسه صبرُُ نسويُُ لا يلين، فهي الأصل الذي منه ينبت المستقبل وبها يستقيم وجه الدهر.
​إهداء: إلى التي علمتنا أن الكرامة لا تُجزأ، وأن الحرية أنثى، والوطن أنثى، والحياة في أصلها.. أنثى.