الميدان المهجور.. تأملات في -إنجاز الذكورة- على أنقاض تغييب النساء



هدي رضا
2026 / 3 / 9

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، لا يسعنا الاحتفاء بهذا اليوم دون استنطق التاريخ الذي ظل لعقود طويلة مسرحاً لقهر ممنهج، عُطلت فيه مسيرة الأنثى وعُرقلت طموحاتها بآليات قسرية. لم يكن تراجع المرأة نتاج ضعف فطري، بل كان ثمرة لاستبعاد متعمد، وتجهيل قسري، وحصر لدورها داخل الجدران عبر أدوات العنف والإجبار، لضمان استمرار هيمنة أحادية الجانب على مقاليد الحضارة والقرار.
مكتسبات حديثة في عالم الأمس
إن ما نراه اليوم من حقوق للمرأة في دول العالم الأول هو وليد الأمس القريب فقط؛ فالتاريخ القريب يشهد على تهميش قانوني ومؤسسي يثير الدهشة:
في إسبانيا: حتى عام 1971، كان القانون يمنح الأزواج سلطة مطلقة لمنع زوجاتهم من العمل أو السفر أو حتى فتح حساب بنكي مستقل.
في فرنسا: ظلت الزوجة محرومة من حق العمل دون موافقة كتابية من زوجها حتى عام 1965.
في الولايات المتحدة: حتى عام 1974، لم يكن يُسمح للمرأة بالحصول على قرض بنكي دون ضمانة رسمية من "ذكر"، وكأن أهليتها المالية مرهونة بوجوده.
في سويسرا: تأخر حق المرأة في الاقتراع السياسي حتى عام 1971، في مفارقة صارخة لواحدة من أقدم الديمقراطيات.
في بريطانيا وايطاليا: لم يُجرم الاغتصاب الزوجي في بريطانيا إلا عام 1991، بينما بقيت "جرائم الشرف" خارج نطاق المحاسبة القانونية الحقيقية في إيطاليا حتى عام 1981.
أما في دول الشرق الأوسط، فلا تزال المعركة من أجل الحقوق البديهية تخوض مخاضاً عسيراً، ولعل تأخر منح المرأة حق قيادة السيارة في السعودية حتى عام 2018 هو مجرد مثال بسيط على حجم القيود التي كبلت نصف المجتمع لعقود.
وهم البطولات المنفردة
بعد هذا الاستعراض لتاريخ طويل من الإقصاء، يبرز تساؤل أخلاقي ومعرفي حول تلك الأصوات التي تتبجح بأن "الذكور هم بناة الحضارة وحدهم". إن من يدعي التفوق التاريخي في ظل غياب الخصم هو كمن يتفاخر بالفوز في حلبة نزال كان فيها خصمه مكبلاً بالأغلال خلف الكواليس.
كيف يمكن قياس الإنجاز الإنساني بينما كان نصف البشرية يعيش تحت وطأة التغييب المتعمد؟ إن الحضارة التي يدعي البعض احتكار بناءها لم تكن نتاج تفوق بيولوجي، بل كانت "مباراة في ملعب فارغ" أُخرجت منه النساء بالقوة والقانون والعرف.
خاتمة
إن البطولة التي تُبنى على أنقاض استعباد الآخر وتجهيله ليست بطولة، بل هي سطو تاريخي. واليوم، ونحن نحيي ذكرى المرأة، علينا أن ندرك أن استعادة المرأة لمكانتها ليست "منحة" بل هي تصحيح لمسار حضاري مشوه، وإعادة اعتبار لخصم لم يُهزم يوماً في الميدان، بل مُنع أصلاً من دخوله.