|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
إكرام فكري
!--a>
2026 / 3 / 14
تأملي ملياً في ذلك المشهد المتكرر خلف شاشات الهواتف وفي أروقة المدن الكبرى، حيث تتداخل صور النساء مع السلع في تماهٍ مريب؛ فمن وميض إعلانات السيارات الفارهة إلى تفاصيل "الروتين اليومي" على منصات التواصل، لا يبدو أننا نرى إنساناً بقدر ما نرى "غلافاً" جذاباً صُمم بعناية ليحرك عجلة الاستهلاك. إننا نعيش في حقبةٍ استثنائية من "التسليع الناعم"، حيث يُعاد تدوير مفهوم التمكين ليتحول إلى منتج يُباع ويُشترى، بينما تُستنزف طاقة المرأة في كواليس اقتصادية لا ترحم، مخفيةً خلف شعارات الحرية والاستقلال ضريبةً باهظة تُقتطع من روحها وجيبها على حد سواء، مما يضعنا أمام إشكالية كبرى: هل تحول السعي نحو الاستقلال المادي من وسيلة لتحرير الإرادة إلى غاية استهلاكية تلتهم جوهر الإنسان؟
في هذا الفضاء الرقمي، لم تعد المرأة مجرد مستهلكة مستهدفة، بل غدت هي "القيمة المضافة" للمنتج؛ إذ تُستغل صورتها كأداة بصرية لترويج سلع لا علاقة لها بكيانها. تأملي مثلاً كيف تُقحم صورة امرأة بملابس لافتة في إعلان لمعدات ثقيلة أو محركات؛ لا رابط منطقياً هنا سوى استخدام "الجاذبية الأنثوية" كطعم بصري يرفع من قيمة السلعة المادية، حيث يتم اختزال الإنسان في "غلاف" براق وظيفته الوحيدة هي لفت الانتباه وتسهيل عملية البيع. بينما تدفع الخوارزميات الفتيات دفعاً لتسليع تفاصيل حياتهن الخاصة، فتحول "غرفة النوم" أو "المطبخ" إلى استوديو إعلاني مفتوح، حيث يُقايض الخصوصية بـ "اعتراف اجتماعي" زائف، يغذيه شعورٌ دائم بالقصور يدفع المرأة لطلب المزيد من الكمال المصطنع لتظل دائماً "صالحة للعرض" في سوق لا يرحم.
هذا الاستغلال لا يتوقف عند حدود الشاشة، بل يمتد ليتغلغل في بنية المؤسسات التي ترفع راية المساواة قولاً وتناقضها فعلاً؛ حيث يُنظر للمرأة غالباً كعمالة "أكثر طواعية" وأقل كلفة. ففي العديد من القطاعات، نجد تفضيلاً مبطناً لتوظيف النساء، ليس إيماناً بقدراتهن فحسب، بل لأن المنظومة تدرك أن المرأة، تحت وطأة الرغبة المضنية في إثبات جدارتها وانتزاع اعتراف مهني في عالم تنافسي، قد تقبل بأجورٍ أقل من زملائها الرجال وتتحمل ساعات عمل إضافية دون تذمر، ظناً منها أن هذا هو ثمن "البقاء" أو "الاستقلال". هنا، تجني الشركات أرباحاً طائلة من هذا "الوفر المادي" الذي يُسلب من عرقها بذكاء مؤسساتي يغلف الاستغلال بكلمات الشكر والامتنان الجوفاء، مستفيداً من رغبتها الصادقة في العمل والتحقق ليعيد تدوير كفاحها كأرقام في ميزانيات الأرباح.
والمفارقة الصارخة تتبدى في تلك الازدواجية الاجتماعية التي تلاحقها كظلها؛ فالمجتمع الذي يحثها بضجيجٍ عالٍ على أن تكون "المرأة الخارقة" التي لا تُقهر، والتي يجب أن تجد خلاصها وقيمتها في الكدح والاعتماد الكلي على الذات حتى في أحلك ظروفها الشخصية كـ "الطلاق"، هو ذاته المجتمع الذي ينتقدها فور خروجها عن قوالب الانضباط المرسومة. يطالبها المجتمع بأن تكون "مكافحة" في السوق و"خاضعة" للعرف في آن واحد، مما يحول حياتها إلى سلسلة من الالتزامات المرهقة التي تستهلك روحها الإنسانية، وتنزع عنها حقها في أن تكون بشراً يصيب ويخطئ، أو يتعب ويرتاح.
هذا الضغط المزدوج أنتج تشوهاً عميقاً في ميزان العلاقات الإنسانية، حيث برز نموذج "المرأة المنقذة المكافحة" التي تحمل على عاتقها عبء الوجود المادي والمعنوي؛ فهي التي تعمل، وتدبّر، وتدفع الفواتير، لتثبت أنها "قوية" كما طُلب منها. وفي المقابل، برز نمط من الشباب الذين استمرأوا "الاستحقاق" بلا جهد، متبنين استرخاءً مريباً يضعهم في موضع "المستحق" لثمار كفاحها. لقد انقلبت الأدوار بطريقة هزلية؛ فبينما تركض المرأة في سباق محموم لتأمين لقمة العيش، نجد الشاب قد ركن إلى مقاعد المتفرجين، يراقب جهادها ببرود، بل ويضع "الاستقلالية المادية للمرأة" كشرط أساسي في شريكة حياته، لا ليحررها، بل ليتحرر هو من مسؤولياته.
لقد أصبح الشاب في عصرنا يميل إلى الكسل والبحث عن "السهولة"، معتبراً أن وجود امرأة مكافحة بجانبه هو وسيلته للاستجمام الذهني والمادي. لقد بات السعي المحموم نحو الاستقلال المادي فخاً محكماً، يُلزم المرأة بالركض في سباقٍ لا ينتهي، لتجد نفسها في النهاية "بطلة" في رواية يكتب أرباحها الآخرون، بينما تكتفي هي بلقب "المكافحة" كتعويضٍ معنوي هزيل عن استنزافٍ مادي ووجودي لا ينقطع، سرق منها حقها في السكينة، وفي الضعف الإنساني، وفي اختيار مسار لا يمليه عليها السوق أو نفاق المجتمع.
إن المخرج من هذا النفق المظلم يبدأ بوعي المرأة بأن قيمتها الإنسانية تسبق صفتها "الإنتاجية"، وأن استقلالها المادي يجب أن يكون درعاً يحمي اختياراتها، لا سوطاً يجلد طاقتها لصالح الآخرين. إن استعادة سيادة القرار تقتضي كسر تلك الصورة النمطية للمرأة "المنقذة" التي لا تكل، واستبدالها بحق مشروع في الضعف، والسكينة، ورفض الأدوار التي تُفرغ وجودها من معناه لتجعل منه مجرد "مورد" متاح.
ليس النجاح الحقيقي في أن تكوني "ترساً" مثالياً في آلة السوق، بل في قدرتكِ على رسم حدود واضحة تفصل بين طموحكِ الذاتي وبين استغلال المنظومة لكِ؛ حدود تمنع تحول كفاحكِ إلى وسيلة لراحة الكسالى، وتضمن أن يظل استقلالكِ وسيلة للحرية، لا قيداً جديداً يربطكِ بسباق لم تختاريه. في النهاية، القوة الحقيقية ليست في حمل أعباء العالم وحدكِ، بل في الشجاعة لقول "لا" لكل ما يستنزف روحكِ تحت مسمى التمكين، والتمسك بحقكِ في حياة توازن بين كرامة العمل وقدسية الراحة.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|