الشارع الذي يختبر كرامة النساء كل يوم



جعفر حيدر
2026 / 3 / 17

بقلم / جعفر حيدر
التحرش بالمرأة ليس حادثة عابرة يمكن أن تُختزل في ضحكة سمجة أو كلمة وقحة تُقال في شارع مزدحم، بل هو لحظة عنف حقيقية، لحظة تنكسر فيها ثقة الإنسان بالمكان الذي يقف فيه وبالناس الذين يمرون من حوله، لأن المرأة عندما تتعرض للتحرش لا تواجه مجرد كلمة رخيصة أو نظرة متفلتة، بل تواجه فجأة شعورًا قاسيًا بأنها صارت هدفًا لنظرات جائعة وعقول مريضة ترى فيها جسدًا لا إنسانًا، ولهذا فإن ردود فعل المرأة على التحرش لا تكون دائمًا بالصوت العالي أو بالضرب أو بالفضيحة كما يتخيل بعض الجهلة، بل قد تكون بالصمت والارتباك والتجمد، وقد ترتجف يداها ويضيق صدرها ويهرب صوتها، لأن الإنسان حين يُفاجأ بالعنف قد يتجمد قبل أن يقاوم، وهذه حقيقة نفسية يعرفها كل من درس السلوك البشري، ولكن المجتمع الجاهل – ذلك المجتمع الكسول فكريًا – يصر على أن يسأل السؤال الغبي نفسه كل مرة: لماذا لم تصرخ؟ لماذا لم تضربه؟ لماذا لم تفعل كذا وكذا؟ وكأن الضحية مطالبة بأن تكون بطلة في فيلم أكشن لا إنسانة تفاجأت بانتهاك كرامتها، والأسوأ من ذلك أن بعض الناس لا يكتفون بتجاهل بشاعة المتحرش بل يوجهون سهامهم إلى المرأة نفسها، فيفتشون في ملابسها، وفي طريقة مشيها، وفي ضحكتها، وفي وجودها في المكان، وكأنهم يقولون لها بشكل غير مباشر: أنتِ السبب، وهذه قمة الوقاحة الاجتماعية، لأن المتحرش في هذه اللحظة ليس مجرد شاب طائش كما يحب البعض أن يصفه بل هو شخص قرر أن يتصرف ككائن منحط يظن أن جسد امرأة يمر في الشارع هو فرصة ليتصرف كحيوان منفلت، والحقيقة القاسية التي يجب أن تُقال بلا تجميل أن كثيرًا من المتحرشين ليسوا سوى أشخاص ضعفاء أخلاقيًا وعقليًا، لا يملكون شجاعة الاحترام ولا تربية ضبط النفس، فيلجؤون إلى التحرش لأنهم يظنون أنه يمنحهم شعورًا زائفًا بالقوة، بينما هو في الحقيقة إعلان صريح عن فشلهم الإنساني، فالإنسان القوي لا يحتاج أن يثبت رجولته بمضايقة امرأة تمشي في طريقها، والإنسان السوي لا يشعر بلذة في تخويف شخص أضعف منه في موقف مفاجئ، ولهذا فإن وصف المتحرشين بأنهم "شباب فقط" هو تبرير سخيف، لأن الشباب ليس عذرًا للانحطاط، والرجولة ليست قدرة على إطلاق كلمات قذرة بل قدرة على احترام الآخرين، لكن المشكلة لا تقف عند المتحرش وحده، فهناك مجتمع كامل يساهم أحيانًا في صناعة الجريمة حين يحاصر الضحية باللوم والشكوك، فيجعل المرأة تشعر أن الفضيحة قد تلحق بها هي لا بالمعتدي، ولهذا نرى كثيرًا من النساء يلتزمن الصمت رغم الألم لأنهن يعرفن أن المجتمع قد يعاقبهن بدل أن يحميهن، وهذا ظلم مضاعف لا يليق بمجتمع يدّعي الأخلاق، لأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، والمرأة ليست كائنًا ثانويًا في المجتمع بل نصفه الحيّ وركنه الأخلاقي والإنساني، وكل مجتمع يقلل من شأن المرأة أو يبرر إيذاءها إنما يعلن عن فقره الحضاري مهما تزين بالشعارات، فالمجتمعات المتقدمة لا تُقاس بعدد أبراجها أو حجم اقتصادها فقط بل بقدرتها على حماية أضعف أفرادها من الإهانة والعنف، وعندما تُحترم المرأة في الشارع والعمل والجامعة والبيت فهذا ليس ترفًا أخلاقيًا بل معيار أساسي لسلامة المجتمع كله، لأن المرأة ليست مجرد فرد يتعرض للتحرش أو الحماية، بل هي أم ومعلمة وطبيبة وكاتبة وعاملة وصانعة أجيال، واليد التي تمتد لإهانتها هي في الحقيقة يد تمتد لتشويه المجتمع نفسه، ولهذا فإن مواجهة التحرش ليست مهمة النساء وحدهن بل مسؤولية الرجال الأسوياء قبل غيرهم، مسؤولية القانون، مسؤولية التربية، مسؤولية الثقافة العامة التي يجب أن تفضح هذا السلوك القذر بلا مجاملة، وأن تقول بوضوح إن التحرش ليس مزاحًا ولا شقاوة شباب بل فعل حقير يمارسه أشخاص فقدوا احترامهم لأنفسهم قبل أن يفقدوا احترامهم للنساء، وعندما يبدأ المجتمع بفهم هذه الحقيقة ويتوقف عن محاكمة الضحية ويبدأ بمحاكمة المعتدي فقط، عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا نخطو خطوة صغيرة نحو مجتمع يحترم المرأة بوصفها إنسانًا كامل الكرامة لا جسدًا يمر في الشارع تحت أعين المتطفلين.