|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
جعفر حيدر
!--a>
2026 / 3 / 18
المرأة معيار إنسانية المجتمع
بقلم / جعفر حيدر
حين نتحدث عن المرأة فإننا لا نتحدث عن كائن ثانوي أو عنصر مكمل لحياة الرجل كما يحاول البعض في المجتمعات المتخلفة أن يصوره، بل نتحدث عن الإنسان الذي لولاه لما وُجد إنسان أصلًا، عن الأم التي يبدأ منها العالم كله، وعن نصف المجتمع الذي يصنع النصف الآخر ويربيه ويشكّل وعيه وأخلاقه. إن حب المرأة واحترامها ليس مجرد مجاملة أخلاقية أو عبارة جميلة تُقال في الخطب والمناسبات، بل هو مبدأ عميق تمليه علينا الأديان والقوانين والإنسانية والثقافة، لأن المجتمع الذي يكرم المرأة هو مجتمع يعرف معنى الكرامة الإنسانية، أما المجتمع الذي يستهين بها أو يظلمها أو يحاول تقزيم دورها فهو مجتمع يعاني خللًا أخلاقيًا وفكريًا مهما ادعى التقدم والتحضر. فمن الجانب الديني نجد أن الأديان في جوهرها جاءت لتكريم الإنسان لا لإهانته، والمرأة جزء من هذا الإنسان المكرّم، ففي التعاليم الدينية نجد تأكيدًا مستمرًا على حسن معاملة النساء واحترامهن والرفق بهن، فالدين حين جاء إلى المجتمعات القديمة لم يأت ليجعل المرأة أقل من الرجل بل جاء ليضع حدًا لعصور كانت فيها المرأة تُعامل كأنها متاع أو ملكية، فجعل لها حق الكرامة وحق الإرث وحق التعليم وحق الاحترام، وأكد أن العلاقة بين الرجل والمرأة ليست علاقة سيطرة أو استعلاء بل علاقة تكامل وشراكة في بناء الحياة، ولذلك فإن كل من يحاول أن يستخدم الدين لتبرير إهانة المرأة أو التقليل من شأنها إنما يسيء إلى روح الدين نفسه، لأن الدين في جوهره يقف مع العدل لا مع الظلم. أما من الجانب القانوني فإن القوانين الحديثة في كل المجتمعات التي تحترم نفسها تقوم على مبدأ واضح وهو المساواة بين المواطنين دون تمييز، والمرأة مواطن كامل الحقوق مثل الرجل تمامًا، لها الحق في العمل والتعلم والمشاركة في الحياة العامة واتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها ومستقبلها، والقانون حين يضع نصوصًا لحماية المرأة من العنف أو التمييز فإنه لا يمنحها امتيازًا خاصًا بل يعيد إليها حقًا طبيعيًا يجب أن يكون موجودًا منذ البداية، لأن العدالة لا يمكن أن تقوم إذا كان نصف المجتمع يعيش تحت التهميش أو الإقصاء أو التقليل من شأنه. أما من الجانب الإنساني فإن احترام المرأة ليس قضية قوانين ونصوص فقط بل قضية ضمير وأخلاق، فالمرأة ليست مجرد فرد في المجتمع بل هي مصدر أساسي للرحمة والعطاء والتضحية، فهي الأم التي تحمل وتلد وتسهر وتربي وتغرس القيم في الأجيال، وهي الأخت التي تشارك إخوتها الحياة والهموم، وهي الزوجة التي تبني مع شريكها بيتًا قائمًا على المودة والرحمة، وهي أيضًا الإنسان الذي يملك طموحًا وعقلًا وقدرة على الإبداع والعمل والإنجاز، ولذلك فإن أي محاولة لحصر المرأة في أدوار ضيقة أو منعها من المشاركة في الحياة العامة ليست فقط ظلمًا لها بل خسارة كبيرة للمجتمع كله، لأن المجتمع الذي يقصي نصف طاقته البشرية يحكم على نفسه بالتخلف. ومن الجانب الثقافي والتاريخي نجد أن الحضارات العظيمة لم تقم إلا حين شاركت المرأة في بنائها، فالثقافة لا تنمو في بيئة تُقصي النساء بل في بيئة تعترف بقدراتهن الفكرية والعلمية والإبداعية، والتاريخ مليء بنماذج نساء قدن حركات علمية وأدبية وسياسية واجتماعية وأسهمن في تقدم البشرية، وهذا يدل على أن المرأة ليست أقل قدرة من الرجل بل هي قادرة على العمل والإبداع والقيادة متى ما أُتيحت لها الفرصة العادلة. ولهذا كله فإن حماية المرأة ليست قضية عاطفية أو دفاعًا عن فئة ضعيفة كما يتصور البعض، بل هي واجب أخلاقي وإنساني لأن الاعتداء على المرأة أو إهانتها أو التقليل من شأنها هو اعتداء على فكرة الإنسان نفسها، والمجتمع الذي يسمح بإهانة المرأة هو مجتمع يفتح الباب لإهانة كل إنسان فيه. كما أن المساواة بين الرجل والمرأة في العمل والفرص والحقوق ليست شعارًا فارغًا بل ضرورة عملية، لأن المجتمع لا يمكن أن يتقدم إذا كان يضع القيود أمام نصف أفراده ويمنعهم من المشاركة الكاملة في الحياة الاقتصادية والعلمية والثقافية، فالرجل والمرأة ليسا خصمين يتصارعان بل شريكين يكمل أحدهما الآخر، وكلاهما يملك عقلًا وقدرة وحقًا في أن يشارك في بناء العالم. إن المرأة ليست مجرد نصف المجتمع كما يقال عادة، بل هي المعيار الذي يُقاس به مدى إنسانية المجتمع ورقيه، فإذا كانت مكرمة ومحترمة ومحفوظة الحقوق فهذا يعني أن المجتمع يسير في طريق العدالة، أما إذا كانت مهمشة أو مُهانة أو يُنظر إليها نظرة دونية فذلك دليل واضح على أن المجتمع ما زال أسير أفكار قديمة لا علاقة لها بالإنسانية ولا بالدين ولا بالقانون، ولهذا فإن احترام المرأة وحبها والدفاع عن حقوقها ليس دفاعًا عن فئة معينة بل دفاع عن كرامة الإنسان كله وعن مستقبل المجتمع بأكمله.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|