التوليب العثماني (بين الأسطورة والحقيقة)



حامد محمد طه السويداني
2026 / 3 / 18

خلال حكم السلطان العثماني احمد الثالث وتحديداً (1730-1717م) اطلق على هذا العهد اسم (عصر التوليب) وهو حقبة تاريخية من السلام والازدهار الثقافي والفني للدولة العثمانية وهو جزء من توجهات النخب العثمانية لتقليد الدول الأوربية في نمط الحياة ووصلت المبالغة في شغف الحب بزهرة التوليب مرحلة لا يمكن السكوت عليها حيث أقدم باترونا خليل القيام بثورة ضد هذه الممارسات نتيجة الاستياء والتذمر من اسراف النخب العثمانية وصرف أموال طائلة على هذه المهرجانات والجلسات و الاحتفالات للتوليب وزراعته خاصة علاقات النخب العثمانية الحميمة مع النخب الأوربية خاصة وإن اجزاء كبيرة من المدن العثمانية تعاني الاهمال والفقر والمرض وخاص الولايات العربية.
ان التوليب أو خزامي بالانكليزية Tulip ويسمى بالعربية اللعلع هو جنس من ورود (الزنبق) يتبعه 100 نوع من النباتات المزهر التابعة للفصيلة الزنبقية من مواطنه الأصلية (أوربا، المغرب العربي، آسيا، الأناضول، إيران، شرق الصين واليابان) وفي هولندا تعرف التوليب بأنها رمز للثروة والرفاهية في أوربا خلال القرن السابع عشر انتشرت موجة من (هوس التوليب) في هولندا حيث أصبح الحصول على بذور التوليب النادرة هاجساً بين الأثرياء وأدى ذلك الى ارتفاع اسعارها بشكل خيالي حيث كانت بذرة الأنواع تباع بأسعار تفوق الخيال. وفي عهد السلطان احمد الثالث تفننوا في زراعتها حتى بلغت (234) نوعاً من أنواع الزنابق ومن شدة هوس العثمانيين بهذه الزهرة أصدر السلطان احمد الثالث فرماناً سلطانياً خاصة بها وهذا ما خلق انماط جديدة في العمارة والفنون وتنسيق الحدائق وازدهر رسوم المنمنمات العثمانية.
ويذكر الاستاذ عبد العزيز الصوري في مقاله الموسوم (مهرجان التوليب في استانبول) المنشور في مجلة العربي الكويتية ويقول عندما نذكر التوليب أكيد سوف يتبادر الى الأذهان هولندا التي تسمى بلد الورود وهي الدولة الأكثر شهرة في زهور التوليب (الزنبق) وزراعتها وقد لا يعلم الكثيرون أن أصل التوليب هو أواسط آسيا وتركيا التي عرف العالم التوليب من خلالها.
اكتسبت أهمية التوليب في الدولة العثمانية منذ قيامها 19299م أي أواخر القرن الثالث عشر أهمية بالغة حيث كانت زهرة التوليب الأكثر قداسة عند العثمانيين ويرجح البعض أن الاهتمام المبالغ به لهذه الزهرة لم يأتي من فراغ حيث يعتقد الأتراك أن رأس زهرة التوليب هي مرادفة لكلمة (الله) لذا أسرفوا في زراعتها والعناية بها والتي تعبر عن احدى تجليات الله في الطبيعة وهي احدى تجليات احتفاؤهم بعقيدة التوحيد في نفوسهم ورمزاً لكثير من القيم والموروثات التاريخية.
وباعتقادي أن هذا التفسير على أن زهرة التوليب شكلها المرادف لكلمة (الله) هو نوع من الخرافات والأساطير التي آمن ويؤمن بها الأتراك قبل الميلاد وبعد الميلاد وحتى العهد العثماني الذي انتشرت فيه الطرق الصوفية التي ابتدعت من الأمور لا علاقة له في الدين الاسلامي.
إن العثمانيون يكنون المحبة والاحترام والقدسية لهذه الزهرة (التوليب) وقد استخدم نقش التوليب كتعويذة للحماية من سوء الحظ أو الحماية من الاصابات اثناء المعارك حيث تم رسمها على قمصان الأمراء الداخلية كتعويذة لحمايتهم خلال فتح القسطنطينية عام 1453 وباعتقادي هذه أيضاً خرافات لا أساس لها من الصحة فالحامي هو الله عز وجل وليس زهرة التوليب، وقد بالغ العثمانيون في زراعتها في كافة المدن التركية وفي استانبول خاصة حيث كان التوليب (اللالاه) كما يسميها الأتراك منتشرة بألوانها وأشكالها في حدائق القصور السلطانية والحدائق العامة. وقد ذكر المؤرخ التركي ياسين أوغلو بأن التوليب أصبح شعاراً بالدولة العثمانية كنقوش على المباني ومصدر الهام للعديد من الفنانين حيث نقشت زهرة التوليب على ملابس السلاطين وعوائلهم ورسمت على الأواني والأكواب المستخدمة في القصور والسرايا وفي تصميم المجوهرات التي يرتديها حريم السلطان وكذلك فإن زهرة التوليب ألهمت الفنانين والأدباء والشعراء ورسموها في لوحات فنية تزين جدران القصور، وهناك رأي آخر فيه نوع من الخرافة والأسطورة بأن التوليب هي كلمة تعود الى أصل فارسي وهي (تو ليند) وتعني عمامة السلطان التي يراها البعض مشابهة لزهرة التوليب وقد عرفت المدة الواقعة بين 1717 – 1730 في تاريخ الدولة العثمانية بإسم (عصر التوليب) وقام السلطان أحمد الثالث بإقامة مهرجانات ومسابقات لأفضل من يزرع هذه الزهرة وينتج أنواعاً جديدة منها حيث كانت التوليب تملأ القصور السلطانية وقد جعل المؤرخين ينسبونها الى فترة حكمه التي شهدت تقدماً ثقافياً وحضارياً وفنياً حيث كان للسلطان أحمد الثالث رغبة جامحة كأسلافه من السلاطين في تطوير وتحديث واصلاح الدولة العثمانية على الطراز الغربي الأوربي.
وسنوياً تتولى بلدية استانبول اقامة مهرجان التوليب في مبادرة لإعادة احياء رمزية هذه الزهرة من خلال مهرجان التوليب السنوي الذي انطلق في عهد حزب العدالة والتنمية وتحديداً من العام 20006 وتقوم البلدية بزراعة كميات هائلة في الحدائق والشوارع ويستمر المهرجان طوال شهر كامل حيث تتم زراعة أكثر من مليون زهرة توليب بأنواعها وألوانها وتتم زراعتها بتنسيق وعمل تصاميم هندسية جميلة ومتدرجة الألوان ويستقطب السياح والمواطنين الأتراك من جميع المدن التركية للحضور الى استانبول رغم المسافات البعيدة للاستمتاع برؤية زهور التوليب وعلى هامش هذه التظاهرة الحضارية تقام معارض للرسم والخط والزخرفة ومسابقات ومعارض للتصوير الفوتوغرافي الى جانب الأنشطة الموسيقي.
وهنا لا بد من الاشارة الى أني أثناء زيارتي المتكررة للمدن التركية اثناء دراستي للدكتوراه في العام 2009 كنت أرى هذه الزهور في الحدائق العامة بالأرصفة الوسطية في الشوارع وفي تصميم لوني مذهل وحتى عندما كنت أذهب الى الريف التركي كنت اشاهد هذه الزهرة محط اهتمام الأتراك ولم أكن أعلم أبعاد هذه الزهور حتى تعمقت بدراسة التاريخ العثماني وتركيا وعرفت قصة اهتمام الأتراك بزهرة التوليب. هذه هل الأمم الحية التي استدعت موروثها وطبقته في الحاضر وأصبح وجه تركيا جميلاً ومركز جذب سياحي يرفد الاقتصاد التركي بملايين الدولارات وأنا أختم مقالتي هذه أتساءل اين نحن من هذه الشعوب ألم يكن لدينا في العهد الآشوري والبابلي مثل هكذا مواضع أين نحن من الجنائن المعلقة في بابل أين نحن من زهرة اللوتس أين نحن من نخيل العراق الشاهق الذي هو المرادف لإسم العراق لماذا لا تقوم الجهات المختصة بالاهتمام بهذا الموروث والاهتمام به وتنميته واذا كان الأتراك يهتمون بزهرة لا ثمر فيها مجرد جمالية فنحن النخيل له ثمر (حوالي 400 نوع) من التمور العراقية وكذلك (زهرة اللوتس) تستخدم للعلاج وكثير من الأمثلة ممكن تطبيقها في العراق ولكن نحتاج الى العقول التي تؤمن بهذه الأفكار