فاطمة المرنيسي والنصوص الدينية



أشرف إبراهيم زيدان
2026 / 3 / 20

تُعد فاطمة المرنيسي (1940–2015)، الباحثة السوسيولوجية والمفكرة النسوية المغربية، من أبرز الأسماء في الفكر الإسلامي المعاصر، لا سيما فيما يتعلّق بقضايا المرأة والسلطة والمعرفة. تمحور مشروعها الفكري حول تفكيك التفسيرات الذكورية المهيمنة للنصوص الإسلامية، والسعي إلى بلورة قراءات بديلة تقوم على مبادئ العدالة والمساواة والوعي التاريخي. ومن خلال إعادة قراءة النصوص الدينية من منظور نسوي تحرري، طعنت المرنيسي في كثير من المسلمات السائدة، معتبرة أن الإقصاء التاريخي للنساء في المجتمعات الإسلامية ليس نابعًا من جوهر الإسلام، بل من التأويلات السلطوية للنصوص.
أحد أبرز أسس مشروعها هو الإيمان بأن القرآن الكريم نص مفتوح على التأويل، وأنه لا يمكن حصر معانيه في تفسير واحد نهائي. فرّقت المرنيسي بوضوح بين القرآن بوصفه نصًا إلهيًا مقدسًا، وبين ما أُنتج حوله من تفاسير فقهية بشرية مشروطة بظروفها التاريخية والثقافية. وقد أكدت أن العديد من الأحكام التي تُنسب إلى الإسلام، خصوصًا تلك المتعلقة بالمرأة، لا تستند بالضرورة إلى النص القرآني ذاته، بل إلى أحاديث نبوية مشكوك في صحتها أو إلى اجتهادات فقهية تنتمي إلى سياقات سلطوية ذكورية.
في كتابها الأشهر الحريم السياسي (1987)، تناولت المرنيسي بالدراسة والنقد بعض الأحاديث التي تم توظيفها تاريخيًا لتبرير تهميش المرأة، من بينها حديث "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة"، حيث شككت في خلفياته السياسية والتاريخية، مشيرة إلى أنه استُخدم لأغراض ترتبط بالصراع على السلطة أكثر من ارتباطه بتشريع ديني خالص.
وبذات المنهج، ناقشت مسألة الحجاب، حيث اعتبرت أن الخطاب التقليدي حوله قائم على تعميم خاطئ لتوجيهات تخص زوجات النبي في سياق سياسي وأمني خاص، وليس تشريعًا عامًا واجب التطبيق على جميع النساء في كل زمان ومكان. في كتابها ما وراء الحجاب (1975)، تتناول فاطمة المرنيسي مفهوم "الحجاب" (veiling)، مستخدمةً المصطلح ليعبر عن العزلة الجسدية، وتغطية الوجه، وستر الجسد بوجه عام. في طرحها، لا تستند مباشرة إلى الآية 31 من سورة النور، بل تركز على الآية 60 من السورة نفسها، والتي تفسرها على أن "النساء المسنات" يُعفى عنهن بسبب "فقدان جاذبيتهن الشكلية" (138-140). وتفهم المرنيسي "نزع الحجاب" الوارد في الآية على أنه خلع الثوب الخارجي، أي الملابس الفضفاضة أو الرداء العام. وترى المرنيسي أن الإسلام، كما تم تأويله تاريخيًا، قد تأثر بثقافة ذكورية قائمة على كراهية النساء، ما أدى إلى نشوء مجتمع قائم على العداء بين الجنسين، حيث "الرجل والمرأة خصمان" (144). وتُرجع فرض الحجاب والنقاب، لا إلى مبدأ ديني خالص، بل إلى هذا السياق الثقافي الذكوري، الذي أُلزمت فيه المرأة بإخفاء زينتها وجمالها خلف الحجاب، كجزء من خطاب يهدف إلى حماية "الرجل الضعيف، الذي يُفترض أنه عاجز عن ضبط غرائزه أمام المرأة المثيرة" (138-140). بالتالي، ترى المرنيسي أن الحجاب ليس مجرد تعبير ديني عن الاحتشام، بل هو جزء من بنية قمعية تخدم النظام الأبوي وتكرّس دونية المرأة (138-140).
رغم أن هذا المسار من الحجج ينتقد بشدة مفهوم الحجاب وممارسات التغطية المرتبطة به، إلا أنه لا يعارض صراحةً فكرة ستر الجسد باللباس في الإسلام. ففي كتابها المرأة والإسلام (1987)، تعود المرنيسي لتناول ما تسميه "مؤسسة الحجاب" (ص. 87-88)، والتي تتضمن مرة أخرى ممارسات متباينة مثل العزلة الجسدية، تغطية الوجه، وستر الجسد. وتتمحور حجتها هنا حول تحليل لفظ "الحجاب" وجذر الكلمة "ح-ج-ب" كما ورد في مواضع مختلفة من القرآن الكريم، حيث يحمل المصطلح معاني متعددة، من بينها الستار أو الحاجز المجازي، دون الإشارة المباشرة إلى اللباس. في هذا السياق، تتجاهل المرنيسي الآيات التي تتحدث بوضوح عن لباس المرأة، مثل الخمار في سورة النور (آية 31) والجلباب في سورة الأحزاب (آية 59)، وتركز بدلاً من ذلك على الآية 53 من سورة الأحزاب، التي تتحدث عن مخاطبة زوجات النبي "من وراء حجاب". وتدّعي أن هذه الآية، التي فُسرت تقليديًا على أنها أساس لمفهوم الحجاب، تخص حالة خاصة بزوجات النبي، وأن علماء الدين قد بالغوا في تعميمها. انطلاقًا من ذلك، ترفض المرنيسي الحجاب – بما في ذلك شكله المادي كلِباس – كمفهوم ديني ملزم. يثير هذا الطرح تساؤلات وارتباكًا حول موقف المرنيسي: هل ترفض الحجاب بمفهومه كعزلة وغطاء للوجه فقط؟ أم أنها ترفض أيضًا تغطية الجسد كليًا؟ وبالتالي، لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى ترفض المرنيسي مختلف أشكال وممارسات الحجاب، سواء كانت تتعلق بالعزلة أو بستر الجسد أو بغطاء الوجه.
رغم أهمية توجيه النقد إلى كتابات المرنيسي بشأن الحجاب، من الضروري ألا يغيب عن الأذهان جوهر رسالتها المتمثل في كشف وجود ثقافات معادية للنساء والحاجة الملحة لمواجهتها. فبينما لا يمكن الحديث عن ثقافة إسلامية موحدة تُعادي المرأة، إلا أن هناك، كما في جميع المجتمعات، رجالًا في العالم الإسلامي يسعون إلى قمع النساء والسيطرة عليهن.
وتُقر المرنيسي نفسها في أعمالها المتأخرة بأن المشكلة الحقيقية في قضايا المرأة لا تكمن في الإسلام ذاته، بل في هيمنة نخبة ذكورية تفرض تفسيراتها الخاصة. فعلى سبيل المثال، تُحتجز بعض النساء داخل منازلهن باسم "الحياء"، وهي ممارسة يبررها ممارسوها بأنها مستندة إلى الشريعة الإسلامية. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى "نسوية إسلامية" تختلف عن نسوية المرنيسي التي كثيرًا ما تُعد منفرة أو تصادمية. المطلوب هو نماذج نسوية منبثقة من صميم التعاليم الإسلامية، وليست فقط متوافقة معها، حتى تكون قادرة على معالجة الإشكالات المجتمعية من الداخل، وبخطاب ديني مقبول ومؤثر. إن مهاجمة الحجاب كمفهوم أو ممارسة لا يُحقق بالضرورة مكاسب للنساء، حتى لأولئك اللاتي يُجبرن على ارتدائه بأشكال مختلفة. بل إن خطابًا من هذا النوع قد يُفاقم التوترات ويعزز ردود الفعل الدفاعية، بدلًا من تمكين النساء من داخل ثقافتهن.
تؤمن المرنيسي بأن مفاهيم مثل الشورى، إذا أُعيد تأويلها ضمن أطر حداثية، يمكن أن تشكّل أساسًا لنظام ديمقراطي إسلامي لا يتناقض مع المساواة بين الجنسين. وفي قراءتها للنصوص، سعت إلى استحضار البُعد التحرّري في الرسالة القرآنية، مشددة على أن القرآن جاء لتحرير الإنسان—رجلاً وامرأة—من التسلّط والقهر الاجتماعي والسياسي.
لإثبات وجود دور فعّال للمرأة في الإسلام المبكر، استحضرت المرنيسي شخصيات نسائية قوية مثل أم سلمة وعائشة رضي الله عنهما، مشيرة إلى أن النساء كنّ مشاركات أساسيات في المجالين الديني والسياسي. وترى أن ما حدث لاحقًا من إقصاء للمرأة ليس سوى نتيجة لـ "انقلاب ذكوري" بعد وفاة النبي محمد ﷺ، أدى إلى تهميش النساء واحتكار الرجال لسلطة التأويل والتشريع.
لم تكن دعوة المرنيسي إلى تحديث الفكر الإسلامي دعوةً إلى العلمنة أو القطيعة مع الدين، بل كانت دعوة إلى إعادة تأويل النصوص وفق رؤية نقدية معاصرة، من داخل المرجعية الإسلامية نفسها. وقد استخدمت في مقاربتها أدوات منهجية متعددة مثل السوسيولوجيا، والتحليل التاريخي، والدراسات اللغوية والسيميائية، بهدف بناء خطاب ديني إنساني يُراعي تحولات المجتمع المعاصر.
وقد تأثرت المرنيسي في مشروعها الفكري بعدد من المفكرين التجديديين، أبرزهم محمد أركون ونصر حامد أبو زيد. من أركون، استفادت المرنيسي منهجيًا من دعوته إلى تجاوز ما أسماه "الإسلاميات الكلاسيكية" نحو "إسلاميات تطبيقية" تعتمد على اللسانيات الحديثة والعلوم الاجتماعية في تحليل النصوص. وقد شاركته في الإيمان بضرورة نزع القداسة عن التأويلات السلطوية للنصوص وفتح النص القرآني أمام القراءة النقدية التاريخية.
كما تبنّت أطروحات نصر حامد أبو زيد الذي أعد القرآن نصًا لغويًا وسياقيًا يتفاعل مع الواقع، وأن فهمه يتطلب أدوات تحليلية حداثية. استفادت المرنيسي من هذا المنظور في قراءتها لبعض الآيات ذات الصلة بالمرأة، معتبرة أن المعنى لا يُستخرج من النص وحده، بل يتشكّل من خلال فعل القراءة والتفاعل مع السياق. وكلاهما دعا إلى تأويل إنساني عقلاني يعيد الاعتبار لقيم الحرية والمساواة والتعددية في الإسلام.
ومع ذلك، فإن المرنيسي لم تسلم من هجمات واسعة النطاق من مختلف الاتجاهات. فقد اتُهمت من قبل التيارات الدينية التقليدية بأنها تشوّه الإسلام وتتبنّى أجندات غربية دخيلة، خاصة بسبب نقدها لبعض الأحاديث النبوية وتشكيكها في التراث الفقهي الذكوري. كما اتُّهمت بأنها متأثرة بالفكر النسوي الأوروبي والاستشراق الفرنسي، وأن أدواتها التحليلية غير مناسبة للتعامل مع النص الديني.
امتدت الانتقادات لتأخذ بعدًا شخصيًا، حيث شُنّت ضدها حملات تشويه تتعلق بأخلاقياتها الشخصية والتزامها الديني، وتم تصويرها كمروّجة لنموذج المرأة الغربية في مقابل المرأة المسلمة "المطيعة". كما واجهت تضييقًا في النشر والإعلام، خاصة في الدول التي تهيمن فيها المؤسسات الدينية التقليدية على المجال العام. حتى في بعض الأوساط النسوية الإسلامية، تعرّضت لانتقادات من باحثات مثل أميمة أبو بكر اللواتي رأين أن مشروعها النقدي لم يطوّر بديلًا فقهياً متماسكًا من داخل المنظومة الإسلامية، بل أعاد إنتاج ثنائية "الشرق مقابل الغرب".
سياسيًا، وُصفت بعض أفكارها بأنها تخدم أجندات تهدف إلى تفكيك الهُوية الإسلامية وإضعاف المجتمعات المسلمة، خصوصًا في ظل تصاعد الخطاب السياسي الغربي بعد أحداث كبرى مثل الغزو الأمريكي للعراق أو صعود الحركات الإسلامية.
رغم ذلك، واصلت المرنيسي الكتابة والبحث بلغة هادئة وعقلانية، تؤمن بـالتجديد لا القطيعة، وتؤكد دومًا أن الإسلام ليس مصدرًا للقمع، بل أن المشكلة تكمن في تفسيرات الرجال للنصوص. وقد حظيت بتقدير واسع في الأوساط الأكاديمية الغربية، وتوّجت أعمالها بجوائز عالمية في مجالات الفكر وحقوق الإنسان، وإن كانت تلك النجاحات سببًا إضافيًا لإثارة الجدل حول مشروعها في العالم العربي.