|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

جاسم المعموري
!--a>
2026 / 3 / 26
مقدمة:
في البدء – يا سيدتي - لابد لي ان اقدم اليك اعتذاري , فانت تعرفين الظروف التي نمر بها الان , والتي جعلتني اتأخر قليلا بالكتابة في عيدك الذي مر علينا قبل ايام, لكني اعاهدك ان اكون الى جانبك دائما, لأن معاناتك من الظلم والقهر لا تعنيك وحدك ,بل هي هم مشترك ومعاناة لابد من دفعها وازالتها, وهي واجب اكيد يقره الشرع والعقل والفطرة السليمة..
**********
تعاني المرأة العراقية من أوجه متعددة للظلم ,ذلك الظلم الذي لا يتجلى فقط في القوانين البالية او في الاحكام العرفية القاسية, بل يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية.. فهي تقوم بواجباتها كاملة.. تتحمل أعباء الأسرة.. ترعى الأطفال.. تسهر على راحة البيت.. تدرس.. تعمل.. تصبر.. تعطي بلا حساب.. ومع ذلك لا تحظى بالقدر الذي تستحقه من الاحترام او الحب أو التقدير.. المجتمع في كثير من حالاته لا يكافئ المرأة إلا بمزيد من الضغط وكأن التضحية واجب دائم عليها دون حق في السؤال عن الإنصاف..
من المؤلم أن تكون المرأة في مجتمعاتنا معرضة للخطر في كل وقت, لا سيما في لحظات الضعف او الاتهام.. يكفي ان يشك احدهم بسلوكها حتى تبدأ دائرة الاتهام التي قد تصل إلى القتل دون بناء على دليل أو حكم قانوني ,بل بناء على الظن وسوء النية وعلى ثقافة ذكورية تستسهل استباحة دم المرأة بحجة(الشرف) وما أشد مرارة ان يكون هذا الحكم القاسي صادراً من داخل الأسرة ,من أب او اخ أو عم, لا يفقه من الشريعة شيئا, ولا يملك مؤهلات القضاء, بل يتكئ فقط على إرث تقاليد عتيقة تخلط بين الرجولة والبطش, وبين الشرف والقتل..
وقد يُتهم البعض من الفتيات, حتى الصغيرات بجرائم الزنى أو العلاقات المحرمة, لا لشيء سوى أنهن كن في مكان أو زمان لا يرضي الرجال او لمجرد الشبهة, وربما تكون الفتاة ضحية اغتصاب فتُقتل بينما يبقى المجرم طليقا.. آمنا.. محميا بسلطة المجتمع او المال أو النفوذ او ببساطة لأنه رجل.. هنا تتجلى المأساة, ليس فقط في الجريمة, بل في غياب العدالة, وفي انقلاب الضحية إلى مجرمة والمجرم إلى بط!.
ما يزيد الجرح عمقا هو ان بعض هذه الاحكام تُبررُ زوراً باسم الدين, رغم أنها لا تمت الى الشريعة الإسلامية بصلة, لا من قريب ولا من بعيد.. فالإسلام في نصوصه الاولى لم يكن ظالما للمرأة , بل كرمها ورفع منزلتها وفرض لها حقوقاً لم تكن معروفة في المجتمعات الجاهلية.. لكننا وبمرور الزمن ألبسنا الدين ثوبا عشائريا قبلياً فصرنا نقتل باسم الدين, ونُهين ونُقصي باسم (الغيرة) وننسى أن الله عدل, وأن رسوله (صلوات الله عليه وعلى اله) رحمة للعالمين وليس أداة للقتل.. فليس كل ما يُقال باسم الدين هو من الدين وكم من الأحكام تُسن في البيوت والقبائل, ويُنفذ فيها القصاص دون بينة او قضاء ,مع انها لا تنتمي الى أي فقه معتبر أو مذهب معترف به, وكثير من هذه الاحكام تفتقد لأبسط شروط العدالة ,فلا شهود ولا اعتراف, ولا قضاء مستقل, بل مجرد شاعات واتهامات وأهواء.. إن هذا النوع من(القضاء العرفي) ان صحت التسمية, لا يمثل الإسلام ,بل يشوه صورته ويجعله مرادفاً للقسوة والظلم في نظر الناس..
وفي مقابل هذا الظلم, يبرز صوت بعض الفقهاء والعلماء الذين نادوا بضرورة تحقق العدالة الاجتماعية أولاً قبل تطبيق العقوبات الحدية.. بعض علماء الشيعة مثلا يرون ان الحد لا يُطبق إلا اذا تحقق المجتمع العادل الذي لا يحتاج فيه الإنسان الى الزنا او السرقة ليُشبع حاجاته, فإذا توفرت فرص الزواج والعمل والسكن والكرامة ,ثم زنى أو سرق أحدهم, آنذاك يمكن أن يُعاقب.. اما اذا كانت الحاجات مهدورة والحقوق مسلوبة, فلا معنى لمعاقبة من ضاقت به السبل.. هذه النظرة ليست مجرد رأي فقهي ,بل رؤية انسانية وفلسفية عميقة تفهم ان الانسان لا يُحاسب فقط على فعله ,بل على الظروف التي دفعته إليه.
هذا الاتجاه في جوهره يُعيد الاعتبار إلى العدالة كأصل من اصول الشريعة, ويجعل العقوبة وسيلة لحماية المجتمع وليس أداة للانتقام او التشفي, ويرى ان الغاية من الحدود ليست القتل أو الجلد, بل اقامة مجتمع لا يضطر فيه الناس للانحراف, إذا كان المجتمع فاسدا والفقر منتشرا والبطالة طاحنة والنساء بلا حماية, فكيف نطلب من الناس الطهارة المطلقة؟ وكيف نحاسب الفتيات على سلوك قد يكون نتيجة اضطرار او جهل أو غياب البديل؟
نحتاج إلى إصلاح جذري في فهمنا للأحكام الشرعية, وفي طرق تطبيقها اذ لا يمكن أن تستقيم العدالة اذا كان الذي يحكم هو أحد افراد العائلة, يحكم بلا علم ولا فقه ولا تفويض, ولا يمكن ان نتحدث عن (شرف) ونحن ندفن ضحايانا بأيدينا, ونعفو عن المجرمين لأنهم ذكور, فلا بد من العودة إلى روح الشريعة التي أقامت العدل وليس إلى قشورها التي يسهل استخدامها في الظلم, فالشريعة ليست مجرد حدود, بل هي نظام متكامل يقوم على الكرامة الإنسانية, وعلى توازن الحقوق والواجبات وعلى إعذار الناس بقدر ظروفهم.
أما المرأة ,فهي أول من يجب ان يشملها هذا الاصلاح. لا لأنها ضعيفة ,بل لأنها الطرف الأكثر تعرضاً للانتهاك في هذا المناخ الفاسد لذا يجب ان نعيد الاعتبار لها.. أن نحميها بالقانون وليس بالعشيرة.. أن نُصغي لصرختها لا ان نخنقها.. أن نُعاملها كشريكة لا كمتهمة دائمة, فالمرأة ليست عارا ولا شبهة ولا مشروع جريمة تنتظر الذباح.. المرأة إنسان كامل تستحق الكرامة وتستحق العدالة, وتستحق أن نُعيد لها الثقة في هذا المجتمع الذي طالما خذلها..
وإذا كنا نريد فعلاً بناء مجتمع لا يزني فيه احد ولا يسرق, فليس الحل في الجلد او الرجم أو القتل, بل في توفير العمل والتعليم والسكن والحب والأمن, حينها فقط يصبح الانحراف استثناءً لا قاعدة, ويصبح العقاب نادرا ,بل يكاد يُلغى, لأن العدالة حين تُطبق تُغني عن العقوبة.
ان المرأة ليست قضية هامشية ,ولا جزءً من قصة أكبر,بل هي القصة كلها.. هي جوهر المجتمع, ومركز الأسرة ومحور الإصلاح الحقيقي.. إن كنا نريد نهضة, فلن تبدأ من السياسة ولا من الاقتصاد, بل من إعادة كرامة الإنسان والمرأة أول هذا الإنسان.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|