لا شرف في الدم: لماذا تُقتل النساء؟



رانية مرجية
2026 / 3 / 26

لا يوجد في قتل النساء أيُّ فخر.
الفخر لا يولد من رصاصة، ولا من سكين، ولا من صمتٍ عائليٍّ يختبئ خلف ستار “السمعة”. ومع ذلك، ما زالت بعض المجتمعات تصرّ على تزيين الجريمة بلغة مضلِّلة، فتسمّي القتل “شرفًا”، وتحوّل الضحية إلى متهمة، والقاتل إلى صاحب قضية.

في واقعنا القريب، لم يعد قتل النساء حدثًا نادرًا. بل أصبح خبرًا متكررًا، يمرّ سريعًا بين العناوين، قبل أن يُطوى كأنه تفصيل عابر. لكن خلف كل خبر، هناك حياة انتهت، وعائلة تفككت، وطفل فقد أمّه، ومجتمع خسر جزءًا من إنسانيته.

في الأيام الأخيرة، أعادت جرائم قتل النساء طرح الأسئلة ذاتها التي لا تجد إجابة. قُتلت أنوار الباز في اللد، وهي أم لطفل، في جريمة صادمة أعادت إلى الواجهة هشاشة الأمان داخل البيت نفسه. وبعدها بأيام، قُتلت امرأة شابة في بلدة الرينة، لترتفع حصيلة النساء القتيلات منذ بداية العام. هذه ليست أرقامًا، بل وجوه وأسماء وحكايات كان يمكن أن تستمر، لولا ثقافة تبيح العنف وتؤجّل العدالة.

لكن المشكلة لا تبدأ عند لحظة القتل، بل قبلها بكثير. تبدأ حين يُنظر إلى المرأة كامتداد للعائلة، لا كإنسان مستقل. حين تُربط حريتها بسمعة الآخرين، ويُطلب منها أن تعيش وفق شروط لا تملك حقّ صياغتها. وعندما تخرج عن هذه الحدود—أو يُظن أنها خرجت—تتحول فجأة إلى “مشكلة” يجب حلّها.

وهنا يظهر السؤال الأخطر: لماذا يُسأل دائمًا عمّا فعلت الضحية، بدلًا من مساءلة القاتل؟
هذا السؤال ليس بريئًا. إنه يعكس خللًا عميقًا في ميزان العدالة، حيث تُحمَّل المرأة عبء الدفاع عن حقها في الحياة، بينما يُمنح الرجل مساحات من التبرير والتخفيف.

اجتماعيًا، هذه الجرائم ليست مفاجئة. إنها نهاية سلسلة طويلة من العنف الصامت: كلمات قاسية، رقابة مستمرة، تهديد، عزل، وأحيانًا اعتداء متكرر. وعندما لا يتدخل أحد—لا الأسرة، ولا المدرسة، ولا المؤسسات—يتحوّل العنف إلى جريمة مكتملة. الصمت هنا ليس حيادًا، بل شراكة غير معلنة.

أما نفسيًا، فالقاتل لا يتحرك فقط بدافع الغضب، بل من شعور متجذر بالسيطرة. يرى في المرأة جزءًا من ملكه، لا كيانًا مستقلًا. وعندما يشعر أن هذه السيطرة مهددة، يلجأ إلى العنف لاستعادتها. إنها ليست قوة، بل خوف عميق من فقدان الامتياز.

في السياق الفلسطيني والعربي عمومًا، تتضاعف خطورة هذه الجرائم بسبب تداخل عوامل اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية، إضافة إلى ضعف الحماية أحيانًا، والتعامل المتأخر مع التهديدات. كم من امرأة طلبت النجدة ولم تجد استجابة؟ كم من شكوى أُغلقت قبل أن تتحول إلى خبر عاجل؟ هذه الأسئلة ليست نظرية، بل واقع يتكرر.

وما يزيد الأمر خطورة هو اللغة المستخدمة. مصطلحات مثل “جريمة شرف” ليست توصيفًا، بل تبريرًا مبطنًا. اللغة هنا تصنع وعيًا، وحين نستخدم كلمات تخفف من وقع الجريمة، فإننا نشارك، دون قصد، في استمرارها. المطلوب واضح: هذه جرائم قتل، لا أكثر.

المسؤولية لا تقع على فرد واحد.
الدولة مطالبة بحماية النساء قبل وقوع الجريمة، لا بعدها فقط.
المجتمع مطالب بكسر ثقافة الصمت والتبرير.
الإعلام مطالب بتسمية الأشياء بأسمائها، دون مواربة.
والتربية مطالبة بزرع قيم المساواة والاحترام منذ البداية.

قتل النساء ليس قضية تخص النساء وحدهن، بل هو اختبار أخلاقي لمجتمع بأكمله. لأن المجتمع الذي يفشل في حماية نصفه، يفشل في حماية نفسه.

لا يوجد قتل “فخرًا”.
يوجد قتل عارًا.
وعارُه لا يلاحق الضحية، بل يلاحقنا جميعًا.