|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
هدى رضا
!--a>
2026 / 3 / 28
في المشهد الاجتماعي الراهن، برز نموذج لافت لـ "الرجل المعاصر"، نموذج يرتدي بدلة الحداثة ويتحدث لغة التنوير، لكنه عند أول اختبار حقيقي للعلاقة الزوجية، يكشف عن بنية عقلية غارقة في موروثات السلطة الأبوية الأكثر تزمتاً. نحن أمام ظاهرة يمكن تسميتها بـ "الانتقائية النفعية"، حيث يتم استدعاء "الحداثة" لتخفيف الأعباء المالية عن كاهل الرجل، واستدعاء "التراث" لإحكام القبضة السلطوية على المرأة.
ازدواجية "المحفظة" و"المنزل"
تبدأ المفارقة حين يبحث هذا النموذج عن شريكة حياة "عصرية"؛ مهندسة، طبيبة، أو رائدة أعمال. هنا، تصبح "المساواة" هي الشعار المرفوع. يُطالب الرجل بمشاركة المرأة في أعباء الحياة المادية، ويؤكد على أن البيت "شركة مسؤولة مشتركة". لكن هذه "الحداثة" تظل حبيسة "الجيوب" فقط؛ فبمجرد أن تطالب هذه المرأة بحقوقها الإنسانية البديهية، تسقط الأقنعة.
التعدد: السلاح المسلط على الرقاب
ومن المثير للسخرية أن هذا "المتنور" الذي يرفض دفع المهر والشبكة بدعوى أنها "عبودية وسلعنة للمرأة"، يظل متمسكاً بحقه القانوني والشرعي في "التعدد". هو يريد زوجة حديثة تشاطره الإيجار وقسط السيارة، لكنه يحتفظ لنفسه بحق "تجديد شبابه" بجوازة ثانية وثالثة بجرة قلم، مستنداً لشرع لم يطبق منه سوى ما يخدم نزواته. هنا تسقط دعوى الندية؛ فكيف تكون العلاقة "شراكة متساوية" وأحد الطرفين يملك حق إنهاء الخصوصية الزوجية وإدخال شريكة أخرى في أي لحظة، بينما الطرف الآخر (المرأة) مُطالب بالإخلاص الأبدي بقوة القانون والمنطق الاجتماعي؟
فخ "الندية الزائفة": وعي المرأة الغائب
هنا يبرز المحور الأكثر إيلاماً، وهو استدراج بعض النساء لهذا الفخ تحت مسميات "الحب" و"التحرر". تظن المرأة أنها بجلوسها على مقعد "الندية" والتنازل عن حقوقها المالية (مهر، شبكة، مؤخر) تصبح مساوية للرجل، لكنها في الحقيقة تمارس "مساواة في التنازلات" فقط.
إن التخلي عن الحماية المادية في ظل منظومة قانونية لا تضمن للمرأة "عقداً مدنياً" يحمي حقها في السكن، السفر، والولاية المشتركة، هو انتحار حقوقي. الست التي ترفض أن تكون "بيعة وشروة" ينتهي بها المطاف "جارية بخصم 100%"؛ فهي تدفع من مالها، وجهدها، وصحتها، وفي المقابل لا تملك حتى حق منع زوجها من الزواج بأخرى أو منع نفسها من "بيت الطاعة" إذا قرر "المتنور" فجأة ممارسة ذكورته الكلاسيكية.
التراث كأداة للقمع الانتقائي
حين تطلب الزوجة تقسيماً عادلاً للأدوار المنزلية أو استقلال قرارها المهني، يتحول "الشريك المعاصر" إلى "وصي تقليدي". يستحضر نصوص "القوامة" بمعناها الاستبدادي، ويتحصن خلف "حق الطاعة". هو يريد امرأة "مودرن" في المصاريف، و"جارية" في الانصياع. يريدها "ندية" أمام موظف البنك، و"تابعة" أمام باب البيت.
ترسانة القوانين: السلاح الخفي
ما يجعل هذه الازدواجية تمر بسلام هو وجود "ترسانة قانونية" تمنحه الامتيازات من الطرفين. فهو يستفيد من غياب "عقد الزواج المدني" الذي يضمن المساواة الكاملة، ليظل محتفظاً بكروت الضغط:
كارت منع السفر والولاية: لاستخدامه وقتما تتعارض طموحاتها مع رغباته.
التمييز في الميراث والطلاق الغيابي: ليضمن التفوق الهيكلي في المنظومة الاجتماعية.
ثغرات "تأديب الزوجة": التي تطل برأسها في النزاعات لتشرعن العنف الرمزي أو المادي.
إن التهرب من "المهر والشبكة" بدعوى أن العلاقة "أسمى من الماديات" و"ندية"، في حين يظل الرجل متمسكاً بكل سلطات "سي السيد" القانونية، هو نوع من الاستغلال التجاري المغلف بقدسية الزواج.
الخاتمة: لا تنوير بلا ضريبة
إن الحداثة ليست "بوفيه" مفتوحاً يختار منه الرجل ما يريحه مادياً ويترك ما يقيد سلطته. الندّية الحقيقية تعني التنازل المتبادل عن الامتيازات التاريخية. فإذا أراد الرجل شريكة تشاطره "الكد والسعي"، فعليه أولاً أن يشاطرها "الحرية والقرار".
بدون "عقد زواج مدني" يحمي الطرفين ويساوي بينهما في الحقوق والواجبات، تظل مطالبات الرجل بإلغاء الالتزامات المالية مجرد محاولة للحصول على "امتيازات الذكورة" مجاناً. التنوير الحقيقي يبدأ بالعدل، والعدالة لا تتجزأ.