عقدة الحجر والطين: كيف يُزيّف المجتمع الأبوي الوعي الإنساني؟



سناء عليبات
2026 / 3 / 29

أن تستمع في القرن الحادي والعشرين إلى كائنٍ يتوهّم أن "فحولته" البيولوجية تمنحه سلطة التشريع الأخلاقي للبشرية، فتلك هي المأساة! لقد تحدّث أحدهم ببرودِ السيّد الواثق من عبودية الآخرين، وقال مستنداً إلى تراثٍ من النفاق والازدواجية: "أنا لستُ الطاهر الحداد لأعلم بقضايا المرأة.. عيب الرجل أثرٌ على حجرٍ يمحوه الماء، وعيب المرأة أثرٌ في الطين يبقى للأبد".
​سكتُّ في تلك اللحظة. لم يكن صمتي عجزاً عن الرد، بل كان صدمةً أمام هذا السقوط الأخلاقي والتشوّه النفسي الذي يتخفّى وراء الكنايات والمجازات الأدبية.
​إن هذا الذكر الذي يتباهى بأن خطأه كالأثر على "الحجر"، لا يدرك أنه يفضح بلادته ولا إنسانيته؛ إنه يصف نفسه بالجماد الميّت. صخرةٌ صمّاء لا تتأثر، لا تتألم، ولا يتطوّر وعيها بالتجربة. إنه يمنح "الذكورة" صكّ غفرانٍ أبدي لتمارس أبشع أنواع الانحلال الفكري والجنسي والسياسي، متكئاً على مجتمعٍ رأسمالي طبقي منافق مستعدّ دائماً لغسل جرائم الرجال بماء التواطؤ والمجاملة.
​هذه هي "الازدواجية الأخلاقية" التي يتغذّى عليها النظام الأبوي. يُرفع الرجل إلى مرتبة "الإله المعصوم"، وتُسجن المرأة في زنزانة "الطين". لماذا يختارون الطين؟ ليوهموا المرأة بأنها مجرد مادة هشّة، ملوثة بالفطرة، وأن أي محاولة منها للتمرد أو الوعي ستترك في جسدها وسمعة عائلتها ندبةً لا تندمل. إنهم يختزلون عقل المرأة، فكرها، كفاحها، وتاريخها في مساحةٍ بؤرية ضيقة، ويحاصرونها بمجاهر الحقد والطبقية. إن هذا التمييز البيولوجي الذي يربط الشرف بأعضاء المرأة وجسدها، ويمنح الرجل حصانة "الحجر"، ليس إلا آلية لإنتاج العبودية باسم الأخلاق.
​إن "الشرف" في هذا المجتمع الأبوي ليس الصدق أو الاستقامة؛ بل هو مجرد "ستار" يخفون وراءه عورات الرجال، و"سياج" يخنقون به حريات النساء. الرجل الذي يقول إن عيبه يمحوه الماء هو رجلٌ بلا شرف حقيقي. فالشرف الذي يتحدّد بناءً على "جنس" الفاعل هو شرفٌ زائف، تجاري، وسوقي!
​أنا لستُ طيناً تشكّله أوهامكم، ولستُ جسداً ميتاً تُحفر عليه قوانينكم الجائرة. إن عيبي الحقيقي في نظركم هو أنني أملك وعياً يرفض مجتمعاً يختزل الشرف في "غشاء البكارة" وقطرات الدم، بينما يمرّ على خيانة الأوطان، والاستبداد، وقهر الإنسان مرور الكرام كالأثر على الحجر!
​نبرتك التهكمية وأنت تذكر "الطاهر الحداد" هي أكبر دليلٍ على رعبك من الوعي المستنير. أنتم تخافون العقل الذي يشرّح قداسة "الحجر" وزيف "الطين". الشرف الحقيقي هو أن تملك المرأة عقلها وجسدها ومصيرها، وأن يملك الرجل الشجاعة ليعترف بأن "الرجولة" لا تعني الحصانة من السقوط الأخلاقي.
​نحن بشر، والمسؤولية فردية. ومن يقسّم الأخلاق على أساس الأعضاء التناسلية هو إنسانٌ مريض، يحتاج إلى ثورةٍ نفسية واجتماعية تقتلع منه عقلية "السيّد" لتعيد إليه إنسانيته.
​لم يكن صمتي أمامك رضوخاً، بل كان احتقاراً لعقلٍ تجمّد منذ عصر الحريم والجواري. الحجر الذي تظنّه يحميك سيتفتت أمام صلابة وعينا، والطين الذي تهددنا به ليس إلا المادة الحية الثائرة التي ستدوس عروش أوهامكم جميعاً لتصنع فجر الحرية.