|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
ميشيل الرائي
!--a>
2026 / 3 / 29
إذا تأملنا تاريخ الخطابات التي تناولت المرأة، سواء في التراث العربي أو في الآداب والفلسفات الغربية، سنلاحظ أن معظمها قد تمركز حول الجسد بوصفه نقطة الانطلاق في تعريف الأنوثة. فالمرأة، في كثير من النصوص، لم تُفهم بوصفها ذاتًا معرفية أو كيانًا فكريًا مستقلًا، بل قُرئت أساسًا من خلال جسدها، حتى بدا الجسد وكأنه الإطار الوحيد الذي يمنحها معنى داخل المخيال الثقافي.
هذا التمركز حول الجسد لم يكن مجرد توصيف بيولوجي، بل تحول إلى بنية رمزية تحكم طرق النظر إلى المرأة وإلى ذاتها معًا. فالجسد هنا ليس مجرد حضور مادي، بل جهاز دلالي كامل تُبنى عليه تصورات الرغبة والهوية والسلطة. وبهذا المعنى، أصبح الجسد نوعًا من القفص الرمزي الذي حُددت داخله صورة المرأة، بحيث يغدو الخروج عنه أمرًا يبدو غريبًا أو غير مألوف داخل الثقافة السائدة.
والمفارقة أن هذا التصور لم يقتصر على الخطاب الذكوري التقليدي، بل إن بعض الممارسات الاجتماعية المعاصرة تكشف أن التعامل مع المرأة خارج هذا الأفق الجسدي قد يُساء فهمه أحيانًا. فحين يُخاطَب الجسد بوصفه أمرًا عرضيًا لا جوهريًا، ويُنظر إلى المرأة أولًا بوصفها عقلًا ووعيًا، قد يُفسَّر هذا السلوك لدى بعض الأوساط بوصفه نقصًا في الرجولة أو خروجًا عن قواعد اللعبة الاجتماعية غير المعلنة. وهذا يكشف أن مركزية الجسد لم تعد مجرد فرض خارجي، بل تحولت إلى بنية ثقافية متجذرة في المخيال الجماعي.
ومن هنا يمكن القول إن المرأة نفسها قد تكون استبطنت، في بعض السياقات، هذا الاختزال الرمزي. فالهوية التي تتشكل تحت ضغط الخطابات الاجتماعية قد تدفع الفرد إلى إعادة إنتاج الصورة التي فُرضت عليه. وهكذا يغدو الجسد مركز تعريف الذات، بينما تتراجع الأبعاد الأخرى — العقلية والروحية والمعرفية — إلى موقع ثانوي، على الرغم من أن الجنس ليس سوى عارض من عوارض الجسد، وليس جوهر الإنسان.
إن هذه البنية لم تتشكل في فراغ، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين عدة مؤسسات وخطابات. فقد ساهمت بعض التأويلات الدينية في تأطير المرأة ضمن منظومة من الضوابط المرتبطة بالجسد، بينما رسّخ الخطاب الذكوري التقليدي صورة المرأة بوصفها موضوعًا للرغبة أو فضاءً للمتعة. أما بعض أشكال الخطاب النسوي المعاصر، فقد جاء أحيانًا بوصفه رد فعل عاطفيًا على هذا الإرث، فبدل أن يتجاوز مركزية الجسد، أعاد إنتاجها بصورة معكوسة، حيث أصبح الجسد ذاته محور الاحتفاء والدفاع، وكأن التحرر لا يتحقق إلا عبر إعادة تأكيد هذه المركزية.
ولا يمكن إغفال أثر البنية الاجتماعية الأولى، أي الأسرة، في تشكيل تصور المرأة لذاتها. فأنماط التربية السلطوية، أو العلاقات الأسرية المضطربة، قد تدفع الفتاة إلى البحث عن الاعتراف خارج محيطها الأول، فتقع أحيانًا داخل فضاءات اجتماعية أو ثقافية غير ناضجة معرفيًا وأخلاقيًا. وفي مثل هذه البيئات قد يظهر أفراد يوظفون لغة الثقافة أو الخطاب العاطفي لاستقطاب النساء، خصوصًا اللواتي يعانين من هشاشة نفسية أو عاطفية، فيوهمونهن بإمكانية تحقيق ذاتهن، بينما لا يرون فيهن سوى موضوع عابر للرغبة.
من هنا تبدو مسألة إنصاف المرأة أكثر تعقيدًا من مجرد إصدار القوانين أو سنّ التشريعات. فالقانون يمكنه أن يحمي الحقوق، لكنه لا يستطيع وحده أن يعيد تشكيل المخيال الثقافي الذي يحدد صورة المرأة وموقعها. ولذلك فإن أي مشروع حقيقي لتحرير المرأة ينبغي أن يبدأ بإعادة بناء الوعي، أي بإعادة تعريف الذات الإنسانية خارج اختزال الجسد.
فالإنسان، في جوهره، ليس جسدًا فحسب، بل هو كيان مركب من عقل ووعي وقدرة على إنتاج المعنى. وعندما تدرك المرأة أن جسدها ليس جوهرها بل أحد تجليات وجودها، يصبح من الممكن كسر القفص الرمزي الذي حُبست داخله قرونًا طويلة. وعندئذ فقط يمكن أن تتحول الأنوثة من موضوع للرغبة إلى ذات فاعلة في إنتاج المعرفة والمعنى داخل الثقافة.
غير أن تحرير المرأة من مركزية الجسد لا يمكن أن يتحقق بمجرد إعلان نظري أو خطاب أخلاقي جديد، لأن الجسد لم يصبح مركز الهوية النسوية بفعل الصدفة، بل نتيجة تاريخ طويل من التراكمات الرمزية والمعرفية. فالثقافات، كما يبين علم الاجتماع الثقافي، لا تنتج تصوراتها الكبرى دفعة واحدة، بل تشكلها عبر طبقات متراكبة من الخطابات الدينية والأدبية والاجتماعية والإعلامية. ومن خلال هذه الطبقات يتشكل ما يمكن تسميته بـ"الاقتصاد الرمزي للجسد"، أي الطريقة التي يُستثمر بها الجسد بوصفه قيمة ثقافية واجتماعية.
في هذا الاقتصاد الرمزي، يتحول الجسد الأنثوي إلى موقع تتقاطع فيه السلطة والرغبة والمعنى. فالسلطة تسعى إلى ضبطه وتقنينه، والرغبة تسعى إلى امتلاكه أو تمثيله، بينما تحاول الثقافة أن تمنحه دلالات متعددة تتراوح بين التقديس والإدانة. وهكذا يصبح الجسد ساحة صراع رمزي بين قوى مختلفة، تتنازع تعريف المرأة وحدود حضورها في الفضاء العام.
غير أن أخطر ما في هذه البنية ليس فقط الطريقة التي يُنظر بها إلى المرأة، بل الطريقة التي تتشكل بها علاقة المرأة بذاتها. فحين تتكرر صورة معينة داخل الخطاب الثقافي، فإنها تتحول تدريجيًا إلى ما يشبه الحقيقة البديهية. ومع مرور الزمن قد تجد المرأة نفسها مضطرة إلى إعادة إنتاج هذه الصورة لكي تحافظ على اعتراف المجتمع بها. وهكذا يغدو الجسد ليس مجرد عنصر في الهوية، بل الشرط الضمني للاعتراف الاجتماعي.
لكن الاعتراف المبني على الجسد يظل اعترافًا هشًا، لأنه مرتبط بمتغيرات الزمن والمعايير الجمالية والسلطات الاجتماعية. ولذلك فإن أي مشروع تحرري حقيقي ينبغي أن ينقل مركز الاعتراف من الجسد إلى الوعي. فالوعي هو المجال الوحيد الذي يستطيع الإنسان من خلاله أن يتجاوز حدود الطبيعة البيولوجية ليصبح فاعلًا ثقافيًا ومعرفيًا.
إن إعادة بناء هذا الوعي لا تعني إنكار الجسد أو معاداته، فالجسد جزء أساسي من الوجود الإنساني، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى المعيار الوحيد لتعريف الإنسان. فالاختزال الجسدي، سواء جاء في خطاب ذكوري تقليدي أو في خطاب احتفائي معاصر، يظل في النهاية اختزالًا للإنسان في بعد واحد من أبعاده.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الدفاع عن الجسد ولا في إدانته، بل في تحرير المعنى الإنساني من هيمنة الجسد. فعندما يُعاد تعريف المرأة بوصفها ذاتًا قادرة على إنتاج المعرفة والمعنى، يتغير موقعها داخل الثقافة، وتتحول من موضوع للتمثيل إلى فاعل في إنتاج الخطاب ذاته.
وعند هذه النقطة فقط يمكن القول إن الثقافة قد بدأت بالفعل في تجاوز إرثها القديم. لأن المرأة، مثل الرجل، ليست مجرد جسد يعيش داخل العالم، بل وعي يسكن الجسد ويمنحه دلالته. وما لم يُفهم هذا الفرق الجوهري، سيظل الجسد قفصًا رمزيًا يعيد إنتاج ذاته عبر الأجيال، حتى في اللحظات التي يبدو فيها أنه تحرر منه.
لم تُحاصر المرأة في التاريخ بقدر ما أُعيد إنتاج تمثيلها الرمزي داخل إطار الجسد؛ فالمسألة لا تتعلق بالوجود البيولوجي بقدر ما تتعلق بالبنية الخطابية التي جعلت من الجسد مركز تعريف الأنوثة.
المشكلة لا تكمن في الجسد بوصفه حقيقة أنثروبولوجية، بل في الخطابات الثقافية التي اختزلت المرأة فيه وحولته إلى المرجعية الوحيدة لفهمها.
كل خطاب يعرّف المرأة انطلاقًا من الجسد وحده هو خطاب قاصر معرفيًا، لأنه يتجاهل البعد الإدراكي والرمزي الذي يشكل جوهر الكائن الإنساني.
عندما يُختزل الإنسان في جسده يتحول الوجود إلى معطى بيولوجي صرف، بينما يتراجع البعد الدلالي الذي يمنحه الوعي الإنساني للحياة.
الجسد ليس جوهر المرأة، بل أحد تجليات وجودها الفيزيائي؛ أما الوعي فهو البنية التي تنتج المعنى وتؤسس الهوية.
لقد أسهمت البنى الذكورية التقليدية في ترسيخ مركزية الجسد الأنثوي، غير أن بعض الخطابات المعاصرة أعادت إنتاج هذه المركزية بصيغة مختلفة، حين جعلت من الجسد نفسه محور الخطاب التحرري.
إن المبالغة في تمجيد الجسد لا تقود إلى التحرر، لأن التحرر الحقيقي يقتضي تجاوز الحتمية البيولوجية نحو أفق الوعي.
كل حضارة تختزل المرأة في جسدها تكشف عن محدودية خيالها الرمزي، لأنها تعجز عن تصور الإنسان خارج إطار الرغبة.
الاعتراف الاجتماعي المبني على الجسد يظل اعترافًا هشًا، لأنه مرتبط بمعايير زمنية وجمالية قابلة للتغير.
فما تمنحه الثقافة للجسد في لحظة تاريخية معينة يمكن أن تسحبه في لحظة أخرى، تبعًا لتحولات الذوق والمعايير الاجتماعية.
المرأة ليست موضوعًا للرغبة فحسب، بل ذات فاعلة قادرة على إنتاج المعرفة والمعنى داخل الفضاء الثقافي.
الخطر الحقيقي لا يكمن في نظرة الرجل إلى جسد المرأة، بل في استبطان هذه النظرة وتحولها إلى جزء من وعي المرأة بذاتها.
الجسد يمكن أن يكون وسيلة للحضور الاجتماعي، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى المحدد الوحيد للهوية الإنسانية.
كل خطاب يدافع عن المرأة من خلال الجسد وحده يعيد إنتاج البنية الاختزالية نفسها التي يدّعي تجاوزها.
إن تحرير المرأة لا يتحقق عبر التشريعات وحدها، لأن القانون يحمي الحقوق لكنه لا يعيد تشكيل البنية الثقافية.
القانون يضبط المجال الاجتماعي، أما الثقافة فهي التي تعيد تعريف المعنى والهوية.
ليست المشكلة في رؤية الجسد، بل في نسيان البعد المعرفي الذي يمنح الإنسان قيمته الإنسانية.
المرأة التي تدرك أن جسدها ليس جوهرها تتحرر من منظومة طويلة من التمثلات الاختزالية.
فالإنسان لا يُعرَّف بأعضائه، بل بقدرته على التفكير وإنتاج المعنى داخل التاريخ.
ومن ثم فإن الدفاع الحقيقي عن المرأة يبدأ عندما يتوقف الخطاب الثقافي عن تعريفها بوصفها جسدًا، ويعترف بها بوصفها ذاتًا معرفية كاملة.