حوارصحفى (هدى عز الدين: كرامة المبدع تبدأ من ملف طبي عادل ومعاش يحفظ تاريخه)أجرى الحوار: حسام الحداد.مصر.



عبدالرؤوف بطيخ
2026 / 4 / 2

في لحظة فارقة يترقبها المشهد الثقافي المصري، تأتي انتخابات النقابة العامة لاتحاد كُتّاب مصر كفرصة لإعادة صياغة العلاقة بين "المبدع" ومؤسسته الأم، وسط تحديات اقتصادية واجتماعية تتطلب فكرًا نقابيًا يمزج بين الوعي الإبداعي والاحتراف الإداري.وفي قلب هذا المعترك، تبرز الشاعرة هدى عز الدين كصوتٍ يحمل تطلعات جيلٍ يرفض استمرار "رسائل التهميش"، ساعيةً لتحويل النقابة من مجرد كيان إداري إلى "بيت آمن" يستعيد فيه الكاتب المصري هيبته وكرامته.
هي تخوض غمار انتخابات العاشر من أبريل لا بحثًا عن وجاهة المقعد، بل إيمانًا بأن العمل النقابي هو "رسالة مؤجلة" واستحقاق طال انتظاره لترميم جدران الأسرة الواحدة داخل اتحاد الكُتّاب.

في هذا الحوار الاستشرافي، نبحر مع هدى عز الدين في تفاصيل برنامجها الانتخابي الذي يتجاوز الشعارات التقليدية ليطرق أبواب الحلول العملية؛ بدءًا من ملف "الأديبة الأم" وتمكين المرأة المبدعة، مرورًا بمعضلة الخدمات الطبية والمعاشات التي تضعها في صدارة أولوياتها "كأمانة إنسانية" قبل أن تكون التزامًا نقابيًا، وصولًا إلى رؤيتها الجريئة لتحقيق العدالة الجغرافية لأدباء الأقاليم.
نناقش معها كيف يمكن للنقابة أن تكون "ظهيرًا قانونيًا" وحصنًا للحريات، وكيف تخطط لتنمية موارد الاتحاد خارج الصندوق التقليدي لضمان استدامة تليق بمكانة الأديب المصري وتاريخه.

- بصفتك شاعرة فاعلة، كيف تخططين لتعزيز دور "المرأة الأديبة" داخل لجان النقابة وصنع القرار فيها؟.
وهل هناك تصور لإنشاء "ملتقى دائم" لمناقشة قضايا المبدعات العربيات؟.
: أؤمن أن دور المرأة الأديبة لا يبدأ من العمل النقابي، بل يسبقه ويؤسِّس له. لذلك أسعى إلى تعزيز هذا الدور عبر تسليط الضوء على قضايا المرأة اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وكشف ما تتحمله من أعباء تفوق طاقتها، وما يُنتقص من حقوقها، انطلاقًا من رؤية واعية لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسعى إلى تجاوزه.ومن داخل العمل النقابي، أطمح إلى خلق مساحة حقيقية للحوار العربي المشترك بين المبدعات، عبر تصور جاد لإنشاء "ملتقى دائم" يُعنى بقضايا الأديبات العربيات، في ظل تشابه التحديات التي تواجههن، مع خصوصية واضحة للتجربة المصرية التي تتسم بقدر أكبر من التمرد والقدرة على المواجهة.
كما أرى أن للمرأة الأديبة دورًا محوريًا في أدب الطفل، حيث تسهم في بناء وعي الأجيال، ودعم الأسرة، وترسيخ القيم المجتمعية، من خلال طرح موضوعات هادفة، وفتح منصات للحوار تعزز مكانة المرأة ودورها.وسأسعى إلى تفعيل ذلك عبر خطة ممنهجة، تتكامل فيها الجهود النقابية مع وسائل الإعلام، بما في ذلك القنوات الفضائية، لتحقيق تأثير حقيقي يدعم المجتمع ويخدم الوطن في هذه المرحلة الدقيقة.

- تعاني الكثير من الأديبات من صعوبة الموازنة بين الالتزامات الأسرية والنشاط الإبداعي؛ هل تمتلك هدى عز الدين رؤية لدعم "الأديبة الأم" أو توفير تسهيلات لوجستية ونقابية تعينها على مواصلة مشروعها؟.وايضا ملف "صندوق العلاج" يؤرق الجميع.. ما هي خطواتك العملية لرفع سقف المساهمة في العمليات الجراحية الكبرى وتوفير الأدوية للأمراض المزمنة بكرامة ودون تعقيدات؟.
: نعم، الملف الصحي للكتّاب يمثل أولوية قصوى، لأنه يمس كرامة الإنسان قبل أي شيء، وهو من أكثر الملفات التي تؤرق الجميع.ومن خلال برنامجي الانتخابي، أضع هذا الملف في صدارة أولوياتي عبر خطوات عملية واضحة، تبدأ بإبرام بروتوكولات تعاون مع كبرى المستشفيات والمؤسسات الطبية، بما يضمن رفع سقف المساهمة في العمليات الجراحية الكبرى، وفق نظام تقييم طبي عادل، يشارك فيه أطباء متخصصون، وعلى رأسهم أطباء النقابة.كما أسعى إلى توفير الأدوية، خاصة للأمراض المزمنة، من خلال التعاقد مع سلاسل صيدليات، بما يضمن حصول الأعضاء عليها بشكل منتظم، دون تعقيدات إجرائية مرهقة.ومن أهم خطواتي أيضًا العمل على إنشاء منظومة طبية متكاملة داخل النقابة، تشمل عيادات شاملة تقدم خدماتها للكتّاب، مع فتح باب الاستثمار بشكل منظم يساهم في دعم صندوق العلاج وزيادة موارده.وفي إطار دعم الاستدامة المالية، أعمل على تنويع موارد النقابة عبر شراكات اقتصادية، من بينها التعاون مع منتجين وجهات فنية لاستثمار أعمال الأعضاء، بما يحقق عائدًا يُعاد توجيهه لدعم الخدمات الصحية والمعاشات.
هدفي هو أن يحصل الكاتب على حقه في العلاج بكرامة، دون انتظار أو تعقيد، في منظومة إنسانية عادلة ومستقرة.

- يظل "المعاش" الحالي لا يتناسب مع قيمة الأديب وتاريخه؛ كيف ستعملين على تنمية موارد النقابة (خارج الصندوق التقليدي) لضمان زيادة سنوية عادلة في المعاشات؟.
:أدرك تمامًا أن المعاش الحالي لا يليق بقيمة الأديب المصري وتاريخه، ولذلك لن أتعامل مع هذا الملف باعتباره رقمًا يُزاد، بل منظومة موارد يجب أن تُبنى من جديد.ومن خلال برنامجي، سأعمل على تنمية موارد النقابة خارج الصندوق التقليدي عبر مسارات واضحة:
أولًا: استثمار أصول النقابة بشكل فعّال، وتحويلها إلى مصادر دخل حقيقية، وليس مجرد أعباء إدارية.
ثانيًا: إنشاء مشروعات خدمية مدرّة للدخل، مثل العيادات الطبية المتكاملة، والبروتوكولات مع الجهات العلاجية، بحيث تحقق خدمة للأعضاء وفي الوقت نفسه دعمًا ماليًا مستدامًا.
ثالثًا: تفعيل الشراكات الثقافية والإعلامية، من خلال التعاون مع جهات الإنتاج والترجمة والمؤتمرات الدولية، بما يفتح باب رعايات وتمويلات تدعم موارد النقابة.
رابعًا: تنظيم الفعاليات الأدبية الكبرى والمؤتمرات الدولية بشكل احترافي، بما يسمح بجذب رعاة وداعمين، وتحويل النشاط الثقافي إلى مورد اقتصادي.
خامسًا: ضبط المنظومة المالية بالكامل عبر الشفافية ومراجعة الميزانية، لضمان توجيه الموارد بكفاءة وعدالة.
هدفي ليس فقط زيادة المعاش، بل ضمان زيادته بشكل سنوي عادل ومستقر، قائم على موارد حقيقية، تحفظ كرامة الكاتب وتليق بتاريخه.
"العدل قبل الخدمات… والكرامة قبل أي مكسب".

- يشتكي أدباء الأقاليم من "التهميش" لصالح العاصمة؛ كيف ستوظف هدى عز الدين علاقاتها الثقافية لضمان وصول القوافل الثقافية والخدمات النقابية لكل محافظات مصر؟.
:أؤمن أن العدالة الثقافية لا تقل أهمية عن العدالة المالية، وأن تهميش الأقاليم يُفقد الحركة الأدبية جزءًا أصيلًا من روحها.ومن خلال برنامجي، سأعمل على تحقيق العدالة الجغرافية عبر خطوات واضحة:
أولًا: تنظيم مؤتمرات وندوات دولية يشارك فيها أدباء عرب وغير عرب، على أن تُقام بالتناوب في الأقاليم، لضمان وصول الفعل الثقافي إلى كل المحافظات، لا أن يظل حكرًا على العاصمة.
ثانيًا: تخصيص نصيب عادل وثابت للأقاليم من القوافل الثقافية والفعاليات، بما يسهم في اكتشاف المواهب الشابة ودمجها في المشهد الأدبي.
ثالثًا: وضع جداول منظمة لمشاركة أعضاء الأقاليم في الأنشطة، لضمان تكافؤ الفرص ومنع التهميش.
رابعًا: تنفيذ جولات دورية لمجلس إدارة النقابة داخل الفروع، والاستماع المباشر للأعضاء، بدلًا من الاكتفاء بالإدارة المركزية.
خامسًا: تفعيل التواصل الرقمي كوسيلة دعم، لا كبديل، لضمان استمرار التواصل مع جميع الأعضاء في مختلف المحافظات.
"هدفي أن يشعر كل أديب في أي محافظة أن النقابة قريبة منه، حاضرة في صوته، ومؤمنة بدوره".

- "أزمة الورق" عصفت بأحلام الكثيرين في النشر؛ هل تقترحين مشروعًا لـ "النشر المشترك" بين النقابة ودور النشر الخاصة بأسعار مدعومة للأعضاء؟.
:أدرك أن أزمة الورق أثّرت بشكل كبير على فرص النشر، وأصبح من الضروري البحث عن حلول حقيقية ومستدامة.ومن خلال برنامجي، أطرح مشروعًا عمليًا يقوم على إنشاء دار نشر تابعة لاتحاد الكُتّاب، تُدار باحتراف من خلال أعضاء يمتلكون خبرة حقيقية في مجال النشر.ولا يقتصر دور هذه الدار على نشر أعمال الأعضاء فقط، بل تفتح أبوابها أيضًا لغير الأعضاء وفق ضوابط مهنية، بما يحولها إلى مشروع استثماري يدعم موارد النقابة.
كما تعمل الدار على:
1تقديم خدمات نشر مشتركة بأسعار مدعومة للأعضاء.
2تمثيل أعمال الأعضاء في المعارض والمسابقات الدولية، بما يضمن وصولها إلى نطاق أوسع.
3تخفيف الأعباء عن الكاتب، مع الحفاظ على جودة النشر وحقوقه.
"هدفي ليس فقط حل أزمة النشر، بل بناء كيان قوي يحقق العدالة، ويدعم الإبداع، ويسهم في تنمية موارد النقابة بشكل مستدام".

- كيف ترين دور النقابة كـ "ظهير قانوني" للأعضاء في قضايا النشر وحرية الرأي والتعبير؟وهل تؤيدين إنشاء مكتب استشاري قانوني مجاني للأعضاء؟.
:نحن، ككُتّاب، نمثل القوة الناعمة والعقل المفكر للمجتمع، وحرية التعبير ليست منحة، بل حق يكفله الدستور والقانون.ومن هذا المنطلق، أؤمن برفض أي شكل من أشكال قمع الحريات، وأرى أن حماية الكاتب ليست خيارًا، بل واجبًا أصيلًا على النقابة.لذلك "أؤيد وبقوة إنشاء مكتب استشاري قانوني داخل اتحاد الكُتّاب، يقدم دعمًا مجانيًا للأعضاء" ويتولى الاتى:
1تقديم الاستشارات القانونية في قضايا النشر وحرية التعبير.
2الدفاع عن الأعضاء في حالات التعسف أو التضييق.
3توعية الكُتّاب بحقوقهم وواجباتهم القانونية.
كما أسعى إلى تفعيل دور النقابة كظهير قانوني حقيقي، لا شكلي، يقف بجانب أعضائه في مواجهة أي انتهاك، ويحمي حقهم في التعبير المسؤول.
لقد دفعنا ثمنًا كبيرًا لنحيا بحرية، ولا يجوز أن تتسلل أشكال القمع من جديد، لا في المؤسسات ولا في الواقع الثقافي"النقابة يجب أن تكون حصنًا للكاتب… لا مجرد كيان إداري".

- في ظل "السيولة الثقافية" الحالية، كيف يمكن للنقابة أن تحافظ على معايير الجودة في العضوية والجوائز لضمان بقاء "اتحاد الكتاب" كمنارة للإبداع الحقيقي؟.
:في ظلّ "السيولة الثقافية" التي تُربك معايير التمييز بين الجادّ والهشّ، يصبح لزامًا على النقابة أن تستعيد دورها بوصفها حارسًا للذائقة، لا مجرد مظلة إدارية. ويمكن تحقيق ذلك عبر رؤية واضحة تقوم على الآتي:
"أن تُشكَّل اللجان من صفوة الكتّاب والنقّاد المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، ممن يمتلكون أدوات التقييم العميق والخبرة التراكمية، لا أن تُبنى هذه اللجان على اعتبارات المصلحة أو المجاملة؛ لأن ذلك يفتح الباب للانحدار، ويُغرق المؤسسة في مستنقع الرداءة".

- لقد شهدنا – مع الأسف – نماذج للجان تقلّ في مستواها عن بعض المتقدّمين أنفسهم، وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: كيف لمن لا يمتلك أدوات الفهم النقدي أن يُقيِّم نصًّا يتجاوز وعيه؟ وكيف يُنصَف الإبداع إذا أُسند الحكم فيه إلى غير أهله؟.
:إن الحفاظ على هيبة "اتحاد الكتّاب" يقتضي وضع معايير دقيقة وشفافة للاختيار، سواء في العضوية أو الجوائز، مع اعتماد آليات مراجعة دورية لأداء اللجان، وإتاحة قدر من الرقابة والمساءلة يضمن العدالة ويُعيد الثقة.
فالنقابة ليست مجرد كيان تنظيمي، بل هي ضمير ثقافي، إن تهاون في معاييره، تهاوت معه قيمة الإبداع ذاته.

- ما هو "العهد" الذي تقطعه هدى عز الدين على نفسها أمام زميلاتها وزملائها الذين سيمنحونها ثقتهم يوم الجمعة 10 أبريل؟.
: أن أكون ملجأً للحق، لا أساوم عليه، وميزانًا للعدل، لا يميل، وصوتًا نزيهًا لا تحكمه مصلحة، بل يمليه ضمير.
-الخميس 2ابريل2026.