|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
آمنة تباني
!--a>
2026 / 4 / 9
لا تنفك صورة "العجوز" في الموروث الثقافي عن التعرض لتشويه متعمد، لا يطال ملامحها الجسدية فحسب، بل يمتد ليصمها بالاختلال العقلي والنفسي، مجردا إياها من الأهلية والذوق. إلا أن هذا المنظور السلبي يقابله تيار تراثي مغاير، يرفع من شأن المسنات ويمنحهن أدوارا مفصلية تجسد الحكمة وفصل الخطاب. ولعل قصة "زرقاء اليمامة" هي النموذج الأبرز لتلك البصيرة النافذة التي أهدرها قومها فحلت بهم الهزيمة.
ويبرز الدور المحوري للمرأة المسنة كنموذج إنساني يتجاوز الصور النمطية، والواقع العملي لحياة الناس البسيطة والعادية، يكشف باستمرار أن في حياة كل منا عجوزا من نوع ما، تكون مصدر حكمة، ومخزن خبرة، ومعلمة في البصيرة والتبصر. وكثيرا ما يغفل الرجل عن هذه الحكيمة في بيته، إلى أن تحتلك عليه الظروف والمشاكل؛ ليجد كلمة تأتيه من عجوزه التي ظل غافلا عنها، وفي لحظة تأتيه لتكون سندا معنويا ونفسيا له، تحدد له الوجهة وترسم له طريق الخلاص.
ويتجلى ذلك في ثبات "أسماء بنت أبي بكر" حين شدت من أزر ابنها عبدالله بن الزبير في أحلك لحظات الحصار، قائلة قولتها الخالدة: "هل يضر الشاة سلخها بعد ذبحها؟"، لتعيد بصمودها رسم ملامح الشرف والعزيمة في وجه اليأس. وهو درس لم يتعلمه ابن الأحمر آخر ملوك غرناطة، حيث ذل واستسلم وخرج من التاريخ مهزوما ومشردا، ولم يجد سوى البكاء بين يدي أمه التي نهرته وقالت قولتها المرة: ابك مثل النساء على ملك لم تحفظه حفظ الرجال.
وتلعب الأم (العجوز) في هذه الوقائع أدوارا كبيرة ذات قيمة معنوية تاريخية وثقافية تظل الكتب ترويها وتعزز موقعها في الذاكرة، وهي تتوافق مع قصص واقعية تمر بكل رجل. ويندر أن تجد رجلا ليس له عجوز من نوع ما تكون مرجعا معنويا له، وضميرا مستترا يختبئ في حضنها حينما تحاصره الحياة، وإن كان الرجال ينكرون ذلك، ويتعالون على هذه الحقيقة الواقعية، ويأخذون عادة بالصورة النمطية عن العجوز، كما هي في النسق الثقافي المستهزئ عموما بالتأنيث، والمتعالي عليه لمصلحة الذكورة. ولكن، كم أذعنت الرجولة على يدي امرأة عجوز، ظلت ثقافة الفوقية الذكورية تستهتر بها لتجد نفسها في لحظة تبكي بين يديها، وتستمع منها إلى حكمة صارخة، أو إلى موقف رحيم ينتشل الرجل من لحظة ضعفه، ويضعه في المسار الصحيح مرة أخرى.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|