|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

حسن مدبولى
!--a>
2026 / 4 / 12
رحم الله تلك الشابة التي افتتحنا يومنا هذا بخبر انتحارها تاركة خلفها طفلتين صغيرتين، بريئتين، ألقت بهما دفعةواحدة في وجه عالم لا يرحم، وفي الغالب لن يلتفت إليهما أحد كما ينبغي؛ وإن امتدت إليهما يد قريب أو بعيد، فسيكون ذلك في حدود الواجب الثقيل،الذى لا يرتقى لرحابة الحنان الذي انتزع منهما فجأة، وكأن المأساة لا تكتفي بابتلاع أم، بل تصرّ أن تترك خلفها جرحين مفتوحين يمشيان على قدمين صغيرتين.
ومنذ أيام قليلة فقط، هزّنا خبر أم أخرى أنهت حياتها بعد أن قتلت أبناءها الصغار، فى مشهد فظيع بات يتكرر بوجوه مختلفة، حاملا الجوهر نفسه: بشر يُدفعون إلى الحافة، ثم يُتركون هناك وحدهم، بلا سند، حتى يسقطوا.
ويبدو أن الأمر ليس جديدا أو عارضا،إذ اننى أتذكر أيضا في تسعينيات القرن الماضي، حادثة لا تزال عالقة في ذهني كندبة لا تمحى.حيث كنت مع زملاء العمل في أحد الأبراج بالدقي عندما لفت انتباهنا دخان كثيف ونيران تتصاعد من سطح مبنى سكنى بعيد. ثم عرفنا لاحقًا أن رجلًا مسحوقًا، كان يعيش مع أسرته في ما يشبه كوخًا متهالكًا فوق سطح عمارة، أشعل النار في زوجته ثم ألقى بنفسه من الأعلى، بعد أن طحنه الفقر وضيق الحال. وكان وراءه أيضًا بنتان صغيرتان. فدائمًا هناك أطفال في نهاية المشهد، أطفال ينجون من الموت، لكنهم يُتركون لأعمار كاملة داخل الخراب الموروث .
ولو أدرنا مؤشرات البحث على الإنترنت، سنجد آلاف الوقائع الشبيهة: انتحار، قتل عائلي، أسر تتفكك تحت وطأة العجز، وآباء وأمهات يصلون إلى لحظة يرون فيها الموت أهون من حياة بلا قدرة على إطعام الأبناء أو حمايتهم.
هذه ليست حوادث فردية معزولة، بل علامات دامغة على قسوة واقع اقتصادي خانق، وعلى فشل ممتد في مواجهة أزمات تتفاقم منذ سنوات طويلة بلا حلول جذرية، وبلا أفق واضح لانفراج قريب.ولا بديل يقدم يد العون لعلاج ما اصاب المجتمع،
فالكارثة ليست فقط في الفقر أو العوز المفاجئ ذاته، بل في الفراغ الوحشي الذي يحيط بالبشر حين يسقطون. فشاب يفقد عمله، أو أم تُطرد من مصدر رزقها أو يموت عائلها الوحيد ، أو شيخ أعجزه المرض وضعف وعجز عن كسب قوت يومه، حينها يتحول الأمر فورًا إلى هاوية سحيقة، فلا إعانات بطالة تكفل الحد الأدنى من الكرامة، ولا شبكات حماية اجتماعية كافية، ولا مؤسسات رسمية أو أهلية قادرة على احتواء الأطفال حين يعجز ذووهم عن الإنفاق عليهم لأى سبب، ولا منظومة حقيقية تلتقط أبناء المنتحرين أو الموتى قبل أن يبتلعهم الضياع.
وربما لكل هذا تتكرر الوقائع المرعبة التي يقتل فيها آباء وأمهات أبناءهم قبل أن ينهوا حياتهم بأنفسهم، لأنهم في لحظة اليأس القصوى، يدركون أن المجتمع الذي تركهم يسقطون لن يمد يدًا رحيمة إلى أطفالهم بعدهم. إنها الفكرة الأكثر فظاعة: أن يموت الإنسان وهو مقتنع أن أبناءه أحياء، لكن بلا نجاة.
رحم الله هذه الأم المسكينة، ورحم كل من سقطوا صامتين تحت أثقال لم يحتملوها. أما طفلتاها، فليستا مجرد تفصيل حزين في خبر عابر، بل شاهدان صغيران على مجتمع صار اعتياديًا فيه أن يُقتل الأمل أولًا، ثم يُترك البشر بعد ذلك لمصائرهم.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|