عدت لأسترد يدي



هنيه اللاني
2026 / 4 / 13

مضى على حادثة عبد الحق خمسة وعشرون سنة كاملة، حملت فيها هذه السنوات ألمًا وحزنًا لازم عبد الحق إلى آخر يوم في حياته.
بدأت قصته كما حدثني هو حين كان طفلًا، وقد فقد أباه منذ سنوات أولى من حياته، ليتركه وحيدًا مع والدته بين أنياب القدر الظالم، ولا عائل لهم إلا ما تجنيه أمه من جنيهات قليلة عندما تتاح لها فرصة عمل في أحد المنازل أو تقوم بتنظيم الحفلات الزفاف وغيرها. هذا الرزق الذي كان شحيحًا كان يكاد يلبي لهم احتياجاتهم الخاصة.
كنت طفلًا صغيرًا تأخذني أحلام البراءة الطفولية إلى عالم ساحر، أتخيل فيه أنني أملك كل الألعاب، وتتملكني السعادة حين أنظر بحب إلى وجهها الملائكي الباسم وهي تعد لي الطعام الذي كنت أراه أشهى أنواع الطعام في كل العالم. وأعد الأيام للذهاب إلى المدرسة مع أولاد الجيران، ودعوات أمي لي بالتوفيق والنجاح تتبعني في كل خطوة.
ومرّت الأيام بي، وأرى أن كل شيء هو لعب وحب، ولا أعرف شيئًا سوى ما ترويه لي أمي في البيت أو ما أجده من أصدقاء الحي، إلى أن جاء يوم أحضر فيه أحد أصدقائي تفاحة كان يفوح عطرها من فمه، ولم أعرف يومها ما معنى التفاح ولم أتذوق طعمه. سألته ببراءة الطفل: من أين أتيت بها؟ قال: لقد جلبتها من عربة جارنا الذي يبيعها في آخر الحي.
وانطلقت بقوة، وكنت أظن أنه يمكنني أخذ ما أريد من التفاح لي ولأمي دون ثمن... ويا ليتني لم أفعل! ويا ليتني كنت أعلم أن لا شيء في هذا العالم دون ثمن!
أو حينما مددت يدي الصغيرة لأخذ التفاح، أمسك بي صاحب العربة وكأنه يمسك أسدًا بغزال صغير. أحسست أن الأمر ليس بتلك الخطورة والقسوة التي آل إليها الأمر، وجرني أمامه إلى الشرطة. كنت حينها صغيرًا لدرجة أنني لا أعرف معنى الشرطة وماذا هي جريمتي، وماذا يقصد بالجريمة أو حتى ماذا تعني السرقة؟!
هل ما فعلته كان جرمًا؟! كنت أعتقد وبقناعة مطلقة حتى اللحظات الأخيرة أنه فعل جيد، وأنني أردت تذوق التفاح الذي لم نكن قادرين على شرائه، ولم أعرف في حياتي كاملة منذ تلك الحادثة طعم التفاح.
وصل الخبر إلى أمي كالصاعقة، وأذكر جيدًا كيف أتت مسرعة إلى مركز الشرطة وهي حافية القدمين، ولا أنسى دموعها وتوسلها لجارنا ولرجل الشرطة الذي قد أخذ قراره اللعين في حق يدي الصغيرة، وقطعت يدي، ولازمت المستشفى أيامًا طويلة لا أتذكر منها شيئًا سوى الألم والصدمة.
لقد أخذوا يدي يا أمي، وأخذوا معها كل شيء! باسم الشريعة والقانون وباسمكم الدين وكل الخرافات! لقد اغتصبوا كل شيء في داخلي، واغتصبوا جميع أعضاء جسمي الصغير، اغتصبوا طفولتي وحياتي وأحلامي البريئة وكل ما أملك، ولا شيء عاد كما كان.
فقد لازمتني مأساة، وألم وجرح عميق لا يندمل، وبدأت معاناتي...
أتذكر جيدًا دموع أمي التي تحاول جاهدة إخفاءها عني وهي تواسيني قائلة: "سوف تكون أفضل". وأنا ألح عليها بسؤال: "إلى أين أخذوا يدي يا أمي؟ وهل سيعيدون لي يدي يا أمي؟!"
كانت أمي في الليل تخبئني بين ذراعيها وتروي لي قصصًا عن الملائكة، وأن الله هو العدل وسوف يعوضنا عن كل شيء، وكانت تطمئن قلبي الصغير بكلماتها، فأنا أصدق كل ما تقوله لي أمي.
وقلت لها: "أمي، بعد تلك الحادثة المشؤومة، أنني فقط أردت أن أتذوق طعم التفاح، والآن لن أفعل ذلك مطلقًا".
مرت أيام، وكنت أنتظر أن تنمو يدي مرة أخرى أو أن يأتي ذلك الجلاد ويعيد لي يدي، وأعود لأسال أمي من جديد وبإلحاح أكبر: "لماذا لم تنمو يدي مرة أخرى؟ ولماذا لم يأتِ الجلاد يا أمي ويعيد لي يدي؟!" هكذا كان تفكيري وهكذا كانت أسئلتي؟!
كنت أشعر بفراغ في داخلي وسؤال لا يبرح تفكيري: "لماذا كانت هذه العقوبة؟!" فقد حرمت من اللعب كبقية الأطفال والحياة الطبيعية كباقي أطفال. كل شيء أصبح صعبًا ومخيفًا، ولازمت الكوابيس كل ليلة، وما أحسست في كل يوم يمر بما قد وقعت فيه من عجز ونقص، ومن ألم يتفاقم يومًا بعد يوم.
كانت أمي تطعمني بيدها وتحمم جسدي وتلبسني ملابسي، ظلت تفعل ذلك إلى آخر يوم في حياتها، حتى أنني شعرت بعقدة أوديب، فقد التصقت بي أمي ولم أخرج من حضنها طوال فترات حياتها.
مع أنني لم أكن سعيدًا، فقد نبذتني العيون، واعتادت أمي إخفاء يدي المبتورة بكم طويل حتى في فصل الصيف، وأحببت ذلك. كنت أحيانًا أخرج لمحاولة النسيان واللعب مع أطفال في الحي، إلا أنني غالبًا ما أواجه صدهم، ولم أكن أحتمل نظرات الشفقة من أحد، يحز في نفسي كثيرًا أنني لا أستطيع بكل ما يقومون به هم بسهولة، وأنا أجد فيه مشقة وعجزًا، فأعود لأكتم ألمي العميق في قلبي وأعود إلى حضن أمي، فهو الملجأ الوحيد الذي ينسيني ما أشعر به من نقص.
أكثر حادثة أيقظت فيّ جرحًا وأشعلت نار الحقد في داخلي، ورغبة في الانتقام من كل من كانوا سببًا في قطع يدي، هو عندما جاء الفصل الدراسي، وكنت لا أعرف بعد ما قد سيحصل، وكنت حتى أجهل حجم عجزي. يومها أخذتني أمي إلى المدرسة لأدخل لأول مرة بعد تلك الحادثة مع الأطفال.
حينما طلب منا المعلم تدوين معطياتنا الشخصية على ورقة، أدركت ولأول مرة قمة عجزي: يدي اليمنى قد قطعت، ويدي اليسرى كان من الصعب عليّ أن أكتب بها. انهرت من البكاء إلى شدة أن البكاء قد تعب مني يومها، واستدعيت أمي للمدرسة لتعود بي إلى المنزل.
مكثت طويلًا أفكر في خيبتي وفي مصيبتي التي يومها فقط اكتشفت أنني فقدت حقًا يدي وإلى الأبد، وأن يدي لن تنمو مرة أخرى، وأدركت أن الجلاد لن يأتي إلى بيتنا ويعيد لي يدي، وأن ليس هناك أمل في شيء. تفاقم الشعور بالألم والحزن بداخلي، وأكثر ما ألمني أنني كنت كل يوم أرى ابن بائع التفاح يذهب مسرعًا إلى المدرسة، وأبوه الذي كان سببًا فيما وصلت إليه. راودتني أفكار كثيرة، وحلمت بكوابيس مرعبة، ولم أجد شيئًا أفعله غير صمت أجج بداخلي نارًا من الحقد والكراهية تجاه كل شيء وأي شيء مختلف عني.
في أحد الأيام، جاء إلى بيتنا مدرس طلب مني أن أعود إلى الدراسة، ووعدني يومها بأن كل شيء سوف يكون على ما يرام. فرحت بذلك، وجلس يقنعني بأن أعود وألا أخسر هذه الفرصة وأتمكن على الأقل القراءة. وفعلت، ومع أنني لم أشعر إلا بالخيبة تلازمني مع الحزن الشديد، على الأقل مع مرور وقت أصبحت أقرأ وأجيد القراءة مع كتابة بيد اليسرى وبصعوبة وجهد مرير.
حاولت الانطواء والاكتفاء برفقة ذاتي خوفًا من تهكم التلاميذ أو ما أكره سماعهم وهم يرددون بينهم ويتهامسون عني. غالبًا ما كنت أخفي في داخلي أملًا بأن يفعل ابن التاجر التفاح نفس فعلي ويتلقى نفس العقاب، ربما حينها فقط سوف يشفى غليلي من والده الذي كل ما رأيته في الزقاق هربت خوفًا من لقائه وربما خوفًا مما سيحدث لي حين أواجهه بعد تلك الحادثة.
أذكر أننا تلقينا درسًا في التربية الإسلامية، وطلب منا المعلم أن نحفظ سورة من القرآن، وعدت يومها ولأول مرة أفتح فيها المصحف، ورحت أبحث بين صفحاته وأتوق لمعرفة شيء لم أدركه، فقط أن الله هو من أنزل هذه الأحكام و هذه الآليات التي كما تقول لي أمي والمعلم وخطيب الجمعة أن الحكمة في كل شيء هي القرآن. ولم أكن أعرف أن القرآن هو من أمر بقطع يدي الصغيرة، ولم أقبل أن هناك نصًا قاسيًا وعنيفًا لتلك الدرجة.
وفجأة وقعت عيناي على تلك الآية التي فيها "أما السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا".
وقعت تلك الكلمات موقع الجمر على صدري، انهرت تمامًا، ومزقت تلك الورقة، ودست بقدمي الصغيرتين على الكتاب المقدس وأنا أصرخ بأعلى صوتي: "أنا لست سارقًا، لست كذلك، فقط أردت أن أتذوق طعم التفاح". أسرعت أمي إليّ وحملتني بعيدًا، حضنتني كعادتها بحنان وهي تبكي: "لست سارقًا يا بني .