تعديل العقول قبل تعديل القانون



علا مجد الدين عبد النور احمد
2026 / 4 / 13

اهتزّ الشارع المصري على وقع صدمة لم يكن مستعداً لها. سيدة تقف على حافة شرفتها في الطابق الثالث عشر، تبثّ لحظاتها الأخيرة للعالم عبر هاتفها. لم تكن تصرخ، ولم تكن تطلب النجدة، كانت فقط تهمس: "حسبي الله في كل من افترضت أنه يكون سندي ولم أجده." ثم صمت… صمتٌ لم يكن نهاية لحظة، بل نهاية حكاية كاملة من القهر.
لم تكن بسنت سليمان مجرد رقم يُضاف إلى إحصاءات الانتحار، بل كانت نتيجة قاسية لواقع تعيشه كثيرات، بين قانون لا يُطبَّق ومجتمع لا يرحم.

القضية لم تكن فقط نفقة لم تُدفع، ولا حكماً لم يُنفّذ، بل كانت أعمق من ذلك بكثير. امرأة تزوجت تحت ضغط المجتمع، وأنجبت مبكراً لأن "هذا هو الطبيعي"، ثم وجدت نفسها فجأة وحدها، بلا سند ولا أمان ولا مورد. لم يخذلها طليقها وحده، بل خذلها نظام فكري كامل أقنعها منذ البداية أن الزواج هو الأمان، وأن الإنجاب هو الضمان.

نحن لا نقترح الزواج على أبنائنا، نحن ندفعهم إليه. نُربّيهم على أن الزواج غاية لا وسيلة، وأن الإنجاب السريع دليل نجاح، وأن التأخر فيه نقص يجب تداركه. وفي خضم هذا كله، تُنجب المرأة قبل أن تعرف شريكها جيداً، قبل أن تبني نفسها، قبل أن تمتلك الحد الأدنى من الاستقلال الذي يحميها وقت السقوط. ثم حين يحدث الطلاق، تُترك وحدها في مواجهة كل شيء: أطفال يحتاجونها، وبيت مهدد، والتزامات لا تنتهي، ومجتمع لا يرى إلا أنها "فشلت".

نعم، نحن بحاجة إلى قوانين تُطبَّق، نحتاج إلى نفقة تُدفع، ومسكن يُحفظ، وحقوق لا تُساوَم. لكن الحقيقة الأهم أن القانون يحمي من يستطيع الوصول إليه، أما من تربّت على الصمت، وعلى تحمّل الألم، وعلى الخوف من "كلام الناس"، فغالباً لن تطالب بشيء، وهنا تكون الخسارة أكبر من أي حكم قضائي.

التغيير الحقيقي لا يبدأ من النصوص، بل من العقول. علينا أن نُربّي أبناءنا على أن الزواج اختيار لا واجب، وأن الإنجاب مسؤولية لا إنجاز اجتماعي، وأن بناء النفس يأتي أولاً، وأن الاستقلال ليس رفاهية بل حماية. ليس كل زواج يجب أن يستمر، وليس كل بيت يُحفظ بالأطفال، فالطلاق دون أطفال قد يكون نهاية علاقة، لكن الطلاق بوجودهم قد يكون بداية جرح لا يُنسى.

رحلت بسنت، لكن قصتها لم ترحل. هي ليست حالة فردية، بل مرآة لواقع يحتاج أن يُراجع نفسه بصدق. لا يكفي أن نطالب بقوانين أفضل، بل يجب أن نصنع وعياً أفضل، لأن كل "بسنت" جديدة ليست قدراً… بل نتيجة.