امرأة تنتحر في مصر



الأسعد بنرحومة
2026 / 4 / 15

امرأة تحرق نفسها في تونس ، وحرة ترمي بنفسها من عمارة في مصر، وثالثة ترمي بنفسها امام قطار في المغرب...

ليست المأساة في خبر امرأةٍ أنهت حياتها، ولا في تفاصيل قصةٍ تتكرر بصيغٍ مختلفة، بل المأساة الحقيقية كامنةٌ في البنية التي صنعت هذه النهاية، وفي #عفانة_الرأسمالية النظام الذي دفع إنساناً إلى أن يرى الموت مخرجاً من الحياة. فليس المقصود أن نتعاطف أو لا نتعاطف، بل أن نفهم: كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟!

إن المرأة التي وجدت نفسها وحيدةً تحت ثقل الحياة، تحمل أعباء النفقة، وتربية الأبناء، ومواجهة مجتمعٍ لا يرحم، لم تولد في هذا الفراغ؛ بل أُخرجت إليه إخراجاً. وهنا مكمن الداء.

لقد كان الأصل في الإسلام أن المرأة لا تُترك وحدها تصارع الحياة، بل تُحاط بطبقاتٍ من الرعاية، لا من القهر؛ ومن الحماية، لا من الإلغاء. فهي في كنف الأب، ثم الأخ، ثم الزوج، فإن فقدت ذلك كله، لم تُترك نهباً للضياع، بل تنتقل المسؤولية إلى العائلة، ثم إلى القاضي، ثم إلى السلطان. فلا نفقة عليها، ولا عبء معيشة يُلقى على كاهلها، ولا تُجبر على حمل ما لا تطيق.

بل حتى أولادها – وهم فلذات كبدها – لم يجعلهم الإسلام عبئاً اقتصادياً عليها، بل حمّل مسؤوليتهم للأب، حمايةً لها من أن تُسحق بين عاطفتها وواقعها.

هذه ليست قيوداً، بل نظام صيانة.

لكن هذا النظام لم يكن طرفاً واحداً؛ بل كان يقوم على معادلةٍ متوازنة: رعايةٌ في مقابل التزام، حمايةٌ في مقابل طاعةٍ في غير معصية، واستقرارٌ في مقابل احترامٍ للنظام الذي يحفظ هذا التوازن. وهنا موضع النفور عند غلمان بني علمان و من تشربوا الفكر الغربي، إذ يرون كل التزامٍ قيداً، وكل طاعةٍ عبودية، دون أن يدركوا أن البديل هو الفوضى المقنّعة بالحرية.

فلما جاء التغريب، لم يُصلح هذا النظام، بل هدمه من جذوره، تحت شعار "تحرير المرأة". فأُخرجت المرأة من دائرة الرعاية إلى ساحة الصراع، وقيل لها: أنتِ حرة، مستقلة، قوية. لكنهم لم يقولوا لها: ستتحملين وحدك ما كان يحمله عنك مجتمعٌ كامل.

فإذا بها تعمل، وتنفق، وتربي، وتنافس، وتُحاسب، وتُستنزف... ثم يُقال لها: هذه هي الحرية!

بل زاد الأمر سوءاً، حين تخلت الأنظمة عن واجباتها، فلم تعد الدولة راعيةً للمطلقة ولا للضعيفة، بل صارت تُلقي بها في سوقٍ لا يرحم، وتطالبها أن تثبت جدارتها فيه، وإلا سُحقت.

وهنا يظهر الوجه الآخر، الأخفى والأخطر: وجه النظام الرأسمالي.

فالرأسمالية أو العلمانية لم تكتفِ بهدم البنى الاجتماعية التي كانت تحمي الإنسان، بل أعادت تشكيله فرداً معزولاً، مقطوع الصلة بما حوله، حتى يسهل قياده والتحكم به. إذ إن الإنسان إذا كان جزءاً من أسرةٍ متماسكة، وعشيرةٍ متكافلة، ومجتمعٍ حيّ، كان عصيّاً على الاستغلال؛ أما إذا جُرّد من كل ذلك، وصار فرداً وحيداً، فإن حاجته تدفعه، وخوفه يُساق به، فيصبح أداةً طيّعة في يد من يملك المال والنفوذ.

لقد عززت الرأسمالية الفردية حتى جعلت الإنسان وحدةً قائمة بذاتها، لا يرى إلا مصلحته، ولا يعتمد إلا على نفسه، ولا يثق إلا بقدراته الفردية. ثم تركته بعد ذلك في سوقٍ مفتوح، يتصارع فيه مع غيره على لقمة العيش، وعلى البقاء، وعلى المكانة. فإذا ضعف، سقط؛ وإذا تعب، استُبدل؛ وإذا انهار، لم يجد من يسنده.

وهذا ليس خللاً طارئاً، بل هو صلب الفكرة الرأسمالية: تفكيك الروابط، وإضعاف الجماعات، وتحويل المجتمع إلى أفرادٍ متناثرين، حتى يسهل ضبطهم عبر أدوات الاقتصاد والإعلام والقانون.

فالمرأة التي قيل لها "تحرري"، والرجل الذي قيل له "عش لنفسك"، كلاهما دُفعا إلى العزلة، ليصبحا جزءاً من آلةٍ كبرى، تُدار من فوق، وتُغذّى من عرقهم، وتُسيطر على مصائرهم.

#نظامهم_العفن_المسمّى_نظام_عالمي_جديد

ومن هنا نفهم كيف تحولت "الحرية" إلى عبوديةٍ من نوعٍ آخر: عبوديةٍ للسوق، وللوظيفة، وللقروض، وللنظام الذي يحدد لك كيف تعيش، ومتى تعمل، وماذا تستهلك، بل وحتى كيف تفكر.

وفي خضم هذا كله، تضيع الحقيقة البسيطة: أن المشكلة ليست في كون المرأة تحت ولايةٍ تُرعاها، بل في كونها أُخرجت من كل ولايةٍ تُحسن إليها، ثم أُسلمت لنظامٍ لا يعرف إلا المنفعة، ولا يقيم وزناً للإنسان إلا بقدر إنتاجه.

#أفيقوا_يرحمكم_الله

إن الحل ليس في مزيدٍ من الشعارات، ولا في ترقيع قوانينٍ وُلدت معطوبة، بل في إعادة بناء المفهوم من أساسه: أن الإنسان لا يُترك وحده في معركة الحياة، وأن المجتمع ليس ساحة صراع، بل شبكة رعاية، وأن النظام الذي يفكك هذه الشبكة – مهما تزين بشعارات الحرية – إنما يقود إلى الانهيار.

فالعودة إلى منهجٍ يربط الإنسان بأسرته، ومجتمعه، وقيمه، ويضبط العلاقة بين الحقوق والواجبات، ليست رجوعاً إلى الوراء، بل خروجٌ من قبضة نظامٍ عفن، جعل من الإنسان رقماً، ومن المرأة أداة، ومن المجتمع سوقاً.

وما لم يُدرك الناس أن الفردية التي يُروَّج لها ليست تحريراً بل تمهيداً للسيطرة، وأن العزلة التي يُدفعون إليها ليست خياراً بل فخاً، فإن هذه المآسي لن تكون استثناءً، بل ستغدو هي القاعدة.

والعاقل من نظر في مآلات الأنظمة، لا في عناوينها.