|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
جعفر حيدر
!--a>
2026 / 4 / 16
بقلم / جعفر حيدر
في كل مجتمع يُفترض أنه يسير نحو العدالة، يبقى هناك اختبار حقيقي لا يُقاس بالشعارات ولا بالقوانين المكتوبة، بل بطريقة التعامل مع المرأة داخل البيت أولًا، ثم داخل الشارع، ثم داخل منظومة الدولة نفسها. العنف الأسري ضد المرأة، وما يُسمّى زورًا بـ“جرائم الشرف”، ليس سوى شكل من أشكال العنف المغلّف بثقافة موروثة، تُستخدم فيها الكلمات الكبيرة لتبرير أفعال صغيرة في إنسانيتها، لكنها كارثية في نتائجها. فالقتل تحت ذريعة الشرف ليس شرفًا، بل انهيارًا أخلاقيًا يختبئ خلف لغة اجتماعية تحاول أن تمنح الجريمة غطاءً مقبولًا، بينما هي في حقيقتها جرح عميق في جسد المجتمع كله.
العنف الأسري لا يبدأ من الضربة الأخيرة، بل يبدأ من فكرة السيطرة، من اعتبار المرأة أقل صوتًا، أقل قرارًا، أقل حقًا في الاختيار. وحين تتحول هذه الفكرة إلى سلوك يومي داخل بعض البيوت، يصبح العنف نتيجة طبيعية لعقلية لم تُبنَ على الشراكة بل على الهيمنة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن يتحول البيت، الذي يُفترض أن يكون مساحة أمان، إلى أول مساحة يتم فيها كسر الإنسان نفسيًا قبل أن يُكسر جسديًا.
أما جرائم ما يُسمّى بـ“الشرف”، فهي في جوهرها ليست سوى ذريعة اجتماعية لتبرير فعل لا يمكن تبريره. لأن الشرف الحقيقي لا يُستعاد بالقتل، بل بالعدالة، ولا يُحفظ بإزهاق روح، بل بحماية حياة. وما يحدث في كثير من الحالات هو خلط خطير بين المفهوم الأخلاقي للشرف وبين ردود الفعل العنيفة التي لا تمتّ للأخلاق بصلة، بل تكشف خللًا في فهم معنى المسؤولية داخل المجتمع.
لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى الجانب الآخر، إلى دور المرأة في بناء المجتمع نفسه. فالمرأة ليست عنصرًا ثانويًا في المعادلة الاجتماعية، بل هي جزء أساسي من تكوينها واستمرارها. هي التي تُشارك في صناعة الوعي من خلال التربية، وفي بناء المستقبل من خلال التعليم، وفي دعم الاقتصاد من خلال العمل، وفي تثبيت الاستقرار الأسري من خلال إدارة البيت وتربية الأجيال. المجتمع لا يُبنى برجل واحد ولا بعقل واحد، بل بتكامل الأدوار، والمرأة في هذا التكامل ليست طرفًا مساعدًا، بل طرفًا أصيلًا.
وفي عمق هذا الدور، يظهر أثر المرأة في تشكيل الأمة العراقية عبر الأجيال، فهي التي واجهت الحروب، والضغوط الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية، وكانت في كثير من الأحيان الركيزة الصامتة التي حافظت على تماسك العائلة حين اهتزت الظروف من حولها. لم تكن مجرد شاهد على الأحداث، بل كانت جزءًا من صمودها واستمرارها، وهذا الدور لا يمكن تجاهله عند الحديث عن بناء المجتمع أو إصلاحه.
إن إصلاح المجتمع يبدأ من إعادة تعريف العلاقة مع المرأة، ليس كموضوع اجتماعي منفصل، بل كجزء من بنية الوعي العام. التعامل مع المرأة لا يجب أن يُبنى على فكرة السيطرة أو الوصاية، بل على فكرة الاحترام والشراكة. سواء كانت متعلمة أو ربة بيت، عاملة أو غير عاملة، فإن قيمتها لا تُقاس بالدور الاقتصادي فقط، بل بكونها إنسانًا كامل الحقوق والكرامة. تحسين هذا التعامل لا يبدأ من النصائح، بل من تغيير النظرة نفسها: من نظرة تقليدية ترى المرأة كمساحة حماية إلى نظرة حديثة تراها كمساحة مشاركة.
إن بناء علاقة صحية مع المرأة يبدأ من التفاصيل الصغيرة: من لغة الخطاب داخل البيت، من طريقة النقاش، من احترام الرأي، من إتاحة مساحة القرار، ومن رفض أي شكل من أشكال العنف مهما كان مبرره. فالمجتمع الذي يُبرر العنف داخل أسرته، سيعيد إنتاج العنف في كل مستوياته دون أن يشعر.
وفي النهاية، يمكن القول إن أي مجتمع يقيس تقدمه بعدد بناياته أو اقتصاده فقط، دون أن يقيسه بكرامة المرأة داخله، هو مجتمع يرى نصف الصورة فقط. لأن الإنسان لا يُقاس بقوته المادية، بل بقدرته على حماية أضعف حلقاته. وعندما تُصان المرأة، لا تُصان فردًا واحدًا، بل تُصان منظومة كاملة من القيم والإنسانية والاستقرار، وهذا هو المقياس الحقيقي لأي نهضة تُراد لها الاستمرارية.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|