طرقة الاستبداد وسندان الكهنوت: حين تبتلع الأدلجة إنسانية المرأة السورية



ضحى عثمان
2026 / 4 / 21

لم يكن "الإعصار الفكري" الراديكالي الذي يجتاح سوريا منذ سقوط نظام الأسد محض صدفة، أو مجرد رد فعل طارئ. بل هو، في جوهره، الثمرة المسمومة لبذور زرعها نظام "الأسدين" على مدار عقود من اللعب على ورقة الدين لتدجين الشعب. ما نراه اليوم من توحش أيديولوجي (سلفي، إخواني، وغيره) هو الوريث الشرعي لمنظومة استبدادية عرفت كيف توظف الجهل لصالح بقائها.

قدم النظام السابق نفسه للعالم كواجهة "علمانية وتقدمية"، لكنه في الكواليس كان أكبر المستثمرين في "التجهيل المنهجي". اعتمد النظام "الدين " كحليف استراتيجي؛ ففي غياب الوعي النقدي، شجع نمطاً من التدين الذي ينشغل بالشكليات والطقوس ولا يجرؤ على معاداة الديكتاتور.
في سوريا الأسد، كانت المساجد هي الأبنية الوحيدة التي يُسمح بتشييدها دون قيود، بينما كانت مراكز الوعي والسياسة تُهدم. تشكلت آنذاك معادلة خطيرة: تجهيل يولد تديناً أعمى، ودين يغذي الجهل المستدام. هذا التحالف غير المقدس بين السلطة ورجال الدين "المطبلين" هو ما يجعل الإصلاح اليوم معركة شبه مستحيلة؛ فنحن نواجه حصاد سنوات من استثمار النظام في تغييب العقول وتفخيخها بالخرافة.


مع بروز التيارات الراديكالية، انتقلنا من تدين "تقليدي" كان يمتلك حداً أدنى من المرونة الاجتماعية، إلى دين إقصائي متطرف لا يرى في المرأة إنساناً، بل "أداة لإثبات الهوية". لقد سُحبت المرأة من فضاء الإنسانية والحقوق، لتصبح "الحدود الثقافية" التي يذود عنها المتشددون لإثبات تميزهم عن "الآخر الكافر". تحولت قضيتها من كفاح من أجل الكرامة إلى صراع أيديولوجي قذر وضعها في قلب المعركة كرمزٍ وشعار، لا ككيان له إرادة.

من أبرز تجليات هذه المأساة هو "تسييس الزي"؛ لم يعد الحجاب السوري التقليدي البسيط كافياً لإرضاء نهم الأدلجة، بل استُبدل بأنماط لباس غريبة كلياً عن التاريخ السوري (كالنقاب الكثيف والقفازات)، والتي باتت تتصدر ملصقات الدعاية الحزبية والدينية. تاريخياً، كانت المرأة المنقبة في سوريا تُحصر في زوايا منزلية ضيقة، لكننا اليوم نشهد دفعاً ممنهجاً للمنقبات إلى الفضاء العام والإعلام، ليس لتمكينهن، بل لترسيخ أنماط اجتماعية متشددة تلغي التنوع. أصبح أي خروج عن هذا القالب الأسود يُصنف فوراً كـ "خروج عن الملة"، مما خلق ضغطاً إرهابياً على النساء المتحررات اللواتي وجدن أجسادهن ساحة لتصفية حسابات سياسية ودينية لا يملكن السيطرة عليها.

تتصارع التيارات الإسلامية (السلفية والإخوانية) على كل شيء، لكنها تجتمع على هدف واحد: إقصاء المرأة وحبسها داخل الجدران. تُروَّج هذه العبودية تحت شعارات مخدرة مثل “القرار في البيوت” و“الجوهرة المصونة”، وهي في الحقيقة دعوات صريحة لترك العمل ووأد الحضور العام. وحين يريد هؤلاء تجميل صورتهم، يلجأون لـ "الحوكمة الشكلية"؛ كتعيين وزيرة واحدة (امرأة ومسيحية في آن واحد) في منصب هامشي لتكون مجرد "ديكور" يحسن صورتهم أمام المجتمع الدولي، بينما يظل الجوهر نظاماً بطريركياً يكرس تبعية المرأة ويحد من استقلاليتها.
"قوننة" القمع: المحاكم الشرعية كبديل للعدالة
مع غياب الدولة وتصدر القضاة المحسوبين على الفكر المتشدد، شهدت المرأة نكوصاً قانونياً مرعباً يعيدنا لقرون مضت:
جريمة “الشرف”: من المقرف حقاً مشاهدة مجالس قبلية و"شرعية" تناقش مصير فتاة ذنبها الوحيد رفض الزواج القسري، وكل ذلك يحدث تحت غطاء "رسمي" وتساهم فيها الدولة، أن "الثورة" التي نادت بالتحرر أنتجت قمعاً بدائياً بعباءة بدوية.
قمع الهوية وتخدير الوعي بالروحانيات الزائفة
تكمن الخطورة الأكبر في "التربية الدعوية" التي تستهدف غرس "ثقافة الخضوع" في عقل المرأة. تم تخدير وعي النساء السوريات بطقوس تعلمهن المطالبة بالحقوق هي "تبعية للكفار". هذا التنميط جعل المقاومة الداخلية تنهار، لتتحول الضحية، بمرور الوقت، إلى حارسة لسجنها الخاص.
تفادي المواجهة: البلديات كـ "شرطة أخلاق" مستترة
يعتمد النظام الجديد نهجاً لا مركزياً خبيثاً؛ حيث تُفوض الصلاحيات للبلديات المحلية لتمارس القمع بعيداً عن أعين المنظمات الدولية. بينما تنشغل بلديات العالم بالإعمار والخدمات، تنشغل "البلديات السورية الجديدة" مثل بلدية دمشق و حوض بردى و مدينة التل و غيرها بتنظيم ما يرتديه الناس والتدخل في تفاصيل حياتهم الشخصية، محولةً الإدارة المحلية من أداة خدمية إلى جهاز رقابة ديني يضبط المجتمع بالترهيب.
سوريا إلى أين؟ النموذج الإيراني يلوح في الأفق
إن تصاعد هذه القوى الأيديولوجية لم يكتفِ بهدم المكتسبات، بل أعاد صياغة المجتمع السوري وفق رؤى حرفية جامدة لنصوص دينية عفا عليها الزمن. نحن أمام واقع يُحاكم المرأة بناءً على "استلاب هوياتي" كامل. المعاناة اليوم ليست فقراً ونزوحاً فقط، بل هي هذا القيد الفكري الذي يُعاد إنتاجه يومياً كـ "طريق صحيح"، ليقنع المرأة أن كرامتها في تواريها وغيابها. سوريا اليوم لا تتجه نحو التعافي، بل تنزلق نحو إعادة إنتاج أنماط قمعية تشبه النموذج الإيراني ما بعد الثورة؛ حيث تُستخدم شعارات الحرية لتبرير نقيضها تماماً. يبقى السؤال المرير: إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا الانهيار قبل أن يصبح واقعاً يستحيل تغييره؟