|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
بتول فاروق
!--a>
2026 / 4 / 26
ملفات مسكوت عنها :
" النفقة الزوجية " في الفقه الإسلامي بين معيار الكفاية ومعيار القيمة.
النجف / العراق
كثيرةٌ هي ملفات المرأة المسلمة التي لم تفتح بعد، أو لم يُعَد فتحها بعد أن تم غلقها على تصورات مغرقة في القدم، أو بعيدة عن واقع المرأة اليوم، ومن هذا الملفات هذا الملف الذي تم من خلاله الحصول على أمتيازات ضخمة للزوج المسلم مقابل الزوجة التي لم تحصل على شيء يذكر ، بالرغم من ضخامة المسؤولية التي تقع على عاتقها في الحياة الزوجية .
الا وهو ملف " النفقه "، والمحاور فيه هي
كيف نعّرف النفقة؟ ومن هو المنفق ؟ ومن المستفيد منها ؟
وقبل ذلك كيف نعرف العمل والأجر ، وموقع المرأة فيهما.
لقد تم إغلاق هذا الملف فقهيا بالقول : الرجال هم المنفقون ، والزوجة تستلم النفقة ،وأن الزوج هو المنفق في الأسرة عبر التاريخ، حتى كادت هذه المقولة أن تكون مسلّمة قارة في الواقع الإسلامي، وكما لو كان الأمر لانقاش فيه، ولكن مع إمعان النظر ، نجد هذه المسلّمة غير مختبرة ولم تنقح جيدا. فالوجوب النظري على الزوج عُدّ كافيا لإثبات أن الرجل هو المنفق الوحيد أو المنفق الأول في الأسرة
قال تعالى:
{ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} الطلاق / 7 .
وقولة تعالى { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} البقرة /233.
وقد ذهبت المذاهب الإسلامية جميعها الى وجوب النفقة للزوجة، مقابل التمكين الجسدي والطاعة فيما لامعصية فيه لله تعالى. (1)
لو نظرنا الى عمل الزوجة اليوم لعرفنا أن أعباء ضخمة تقع عليها ، فلو قيمت ماليا / سوقيا ، لكونت ثروة لايستهان بها.
بعد إنتهاء عهد العبودية في العالم الإسلامي بفعل التحريم الدولي له( 2) ، حمّلت الزوجة أعباء العبيد والإماء، فأخذت أدوارهم التي كانوا يقومون بها.
كان الفقه المنتج لايحمّل الزوجة أعباء العمل المنزلي الإ بحسب العرف- الذي لم يكن يحمل الزوجة كل أعباء المنزل والأطفال، أما اليوم فهي الوحيدة تقريبا التي تقوم بكل أدوار الرعاية داخل المنزل- ، فبقى الحكم الفقهي ذاته في النفقة دون مراعاة الجهد الكبير المبذول من قبل الزوجة، ودون إيجاد بديل مساعد عن منظومة العبيد التي كانت منسجمة مع الحكم الفقهي حين صدوره. وأيضا مع بقاء تعريف النفقة ومعياره على حاله دون تغيير على الرغم من تغير الواقع بشكل كبير.
والنفقة الواجبة للزوجة كما رسمها الفقه : هي الطعام والكسوة والسكن المستقل بها. أو هي : كل مايدخل في إدامة حياة المنفق عليه. (3)
ولكي ندخل الى محاور الكلام مع الملف الأول ، ونعرف الآتي :
أولا : من هو المنفق في الأسرة ؟
في الفقه الإسلامي : هو من يقدم مالا مباشرا سواء على شكل نقد أو عين . لذلك يوصف الزوج ويعرف بأنه المنفق ، فهو يلتزم بالنفقة شرعا، ويدفع مالا ظاهرا ومقاسا .
بينما الزوجة لاتقدم المال المباشر بل تقدم عملا : رعاية ، تربية ، خدمة ، وهو مال غير نقدي ، وغير قابل للقياس ، لأن الفقهاء لم يضعوا له مقياسا بعدد ساعات العمل مثلا ، لذا لم يصنف هذا العمل إنفاقا . وبذلك صار هذا العمل الذي يستهلك جهد الزوجة ووقتها كما لو كان ليس مالا مع أنه تقديم لمنافع ، والمنافع أموال عند كل المذاهب ، عدا الحنفية لاترى المنافع أموال لكنه يستحق أخذ المال بأزائه.(4)
ولذلك اعتبار الزوج هو المنفق الوحيد هو تعريف ضيق للإنفاق . وهنا نعيد السؤال هل الزوجة منفقة فعليا في الأسرة ؟
إذا وسعنا المفهوم أقتصاديا :
كل منفعة لها قيمة ، وكل قيمة هي شكل من أشكال المال ، ولو كان غير نقدي .
لذا الزوجة تنتج قيمة غير نقدية داخل الأسرة تسهم مباشرة في بقاء النظام الأسري واستمراره. و يشمل :
1- ولادة وارضاع وتربية الأطفال ، وهذا استثمال طويل الأمد لاتظهر نتائجه آنيا .
2- العمل المنزلي المستمر ، الذي يوفر تكاليف السوق.
3- الدعم النفسي ، الذي يحافظ على استقرار المنتج الأساسي : الإنسان
4- تجهيز رب البيت ، الزوج للعمل وتلبية حاجاته المختلفة ، وشعوره بوجود من يقوم بمهامه أثناء عمله خارج البيت ، واثناء نزهاته الخاصة .
وبهذا المعنى الزوجة ليست منفقه بالمعنى الفقهي الضيق ، بل هي منتجة للقيمة بالمعنى الاقتصادي .
ثانيا : أين تكمن المشكلة الحقيقية ؟
تكمن المشكلة في حصر مفهوم الإنفاق في البعد المالي المباشر في الفقه الإسلامي ، مما أدى الى إقصاء العمل غير المأجور الذي تقوم به الزوجة ، بالرغم من كونه منتجا فعليا للقيمة داخل الأسرة ، مما ينتج اختلالا في الاعتراف والتقدير بين الزوجين ، أدى الى الاختلال في ميزان الاعتراف .
لذا مسألة القول المطلق عند الفقهاء بأن الزوج هو المنفق الوحيد لأنه يقدم مالا مباشرا لايعد كلاما دقيقا ، اذا ماعرفنا أن المال المأجور نفسه يأتي عبر القيام بعمل ، لكنه ليس بالفضاء الخاص بل بالفضاء العام ، فعمل الرجل يقيم ماليا بينما عمل الزوجة لايتم تقييمه ماليا . في ازدواجية تفرق بين العمل ذاته حين يكون في الفضاء الخاص أو العام ،مع أن نوع الفضاء يجب أن لا يكون ل له مدخلية في احتساب الأجر.
كلاهما ينتجان منفعة ، وأذا ذهبنا للتحليل الحديث ، الى بورديو ، في تحليله الرأسمال الرمزي ، فنجد أن القيمة ليست فقط ماينتج بل مايتم الاعتراف به داخل الحقل الاجتماعي.(5)
من هنا نعرف أن القيمة لاتتحقق الا أن يُعترف بها. وعدم الاعتراف بها ناتج من وضع تاريخي ، ففي المجتمعات القديمة ، كان العمل المنزلي مشتركا بين الجواري والخدم والعائلة الممتدة ، ولم يكن دائما عبئا فرديا على الزوجة ، لذلك لم يظهر كمشكلة اقتصادية تحتاج تقييما . اليوم صار عبئا كليا على الزوجة دون تغيير في المنظومة الفقهية. التي كانت ترى في العمل هذا تطوعا من الزوجة كنوع من حسن التبعل ، كما لو كانت مخيرة في رفضه وعدم القيام به.
أنه استصحاب لأحكام مع تغير الواقع المعيشي، وتبدله ليصير ساعات عمل الزوج خارج البيت لايساوي نصف ساعات عمل الزوجة اليومي الذي لابديل عنه وعنها، والا لنهارت الأسرة وضاع الأطفال وجاعوا وهلكوا .
ثالثا : النفقة واحدة بغض النظر عن جهود النساء
الإنفاق الذي يتم تقديمه للزوجة ، يراعي حالها وحال زوجها ، عند اغلب الفقهاء في المذاهب الإسلامية من الإمامية والمذاهب الأربعة ، عدا الحنفية ، الذين يرون حال الزوج فقط، والشافعية الذين يرون حال الزوج في الغالب، أي ينفق عليها بحسب حاله دون النظر لحال الزوجة ومرتبتها ورقيها الاجتماعي وشأنيتها(6 ). بمعنى أن العمل الذي تقدمه الزوجة داخل البيت مهما تعاظم فهو غير محسوب ، فلا فرق بين زوجة تخدم خمسة أبناء عن الأخرى التي لاتخدم طفلا واحدا ، فالعمل المنزلي غير مرئي ولايكون محلا للتعاقد المالي، ولايزيد من النفقة.
عقد الزواج هذا يبقي الزوجة على حالها قبل زواجها ، والذي لم تختره ، ولاتستطيع ارتقائه من خلال جهدها وعملها الذاتي، كما أنه لايطالب الزوج بالارتقاء بعمله ليلبي وضع المرأة الغني ، فينفق عليها بحسب حال الزوج ، الذي لايجبر على رفع مستواه المعاشي ليلبي وضع الزوجة ، كما لايجبر على عدم أفقار نفسه من خلال الزواجات المتعددة والذي يعني أنجاب المزيد من الأبناء .
وإذا كان الزوج غنيا وهي متوسطة الحال فلا يجب عليه الإنفاق عليها بحسب حاله بل بحسب حالها الذي وجدت فيه .(7)
وهذا يبين لنا أن العمل الذي تقوم به لا يحسب بالمرة ، بالرغم من اتفاقهم على عدم وجوب العمل الرعائي عليها بأصل العقد .
بينما في حالة عمل الزوج في الخارج يحسب بحسب ساعاته والجهد المبذول والإنتاج ، فيعطى أجرا مختلفا في كل حالة يكون عليها ، فكلما زاد جهده زاد من راتبه ، وكذلك كل مال يقدمه في الأسرة يأخذ أمامه حقوقا كبيرة ، على عكس الزوجة التي تعطى نفقة محددة سلفا دون النظر في مدى الخدمة التي تقدمها، فعليها أن تبذل جهودا مضاعفة عند التقدم في مسيرة الأسرة وأنجاب الأبناء للزوج، دون أن يساعد هذا في تحسين دخلها المادي أو استحقاقها بمطالبتها به .
لأن الزواج تم رسمه سابقا بهذه الصورة ، والبعض يرى مع كل ماتقدمه الزوجة من عمل فإن الزوجة ينبغي أن تشعر بعظم حق الزوج عليها ، فهو سيدها الذي يطعمها ويأويها.
إن النظام الفقهي – الاجتماعي ورؤيته للزواج قد عرقل العمل المأجور لها، وهو من وضع شروطا صارمة لعملها ، وجعلها تحت إرادة الزوج الذي قد يمنعها من العمل المأجور، ولم يعطها أجورعملها الرعائي .
هذه التفكيك في النظر للنفقة يجب أن يعاد النظر به ، ليكون الإعتراف بجهود الزوجات والأمهات وعدم اعتبار الزوج هو المنفق الوحيد في الأسرة.
رابعا : لو سلمنا أن الزوج هو المنفق الوحيد ، فها هو يكافأ على كل مال يدفعه ، فهو لا يدفع مجانا ، بل يعطى امتيازاً ضخما أمام كل مال يدفعه
( حق الطلاق المطلق ، والقوامة والنسب والولاية الجبرية على الأطفال، والخدمة الكاملة بلا تقديم أجر مقابله )
بينما الخدمات التي تقدمها النساء فلا تعطيها أي امتياز مالي أو معنوي ، فلاتملك في هذه الأسرة أي حق غير النفقة " التشغيلية " التي تقيم أودها لتعمل لصالح الزوج ، بمعنى ان النفقة المقدمة تصب أخيرا لصالح الزوج نفسه ، الذي يريد أن يبقيها حية ، لتؤدي دورها على أكمل وجه. فبالتالي لاحقوق تذكر للزوجة التي تكرس حياتها كاملا لأسرة لاتملك فيها شيئا .
الفقه في بنائه التقليدي للنفقة اعتمد معيار الكفاية المعيشية، لكنه أغفل معيار القيمة الإنتاجية للعمل الرعائي داخل الأسرة الذي لم يوجِد له بديلا، لذا أدى هذا الى اقصاء العمل غير المقاس للمرأة من أي تقدير اقتصادي لغاية اليوم. أوجبوا عليها العمل بحكم العرف الذي هو عرف ذكوري لأن المجتمع يقوده ذكور في المجتمع المسلم .
والفقه لم يقصد الظلم بقدر كونه محكوما ضمن اقتصاد بسيط ، وكان يفترض أن المرأة لاتعمل خارج البيت، لكن المشكلة تكمن في الإبقاء على هذا الوضع في واقع مختلف تماما ، فالزوج هو صاحب المؤسسة ، فتصبح مؤسسة ربحية ، المالك الوحيد لأسهمها هو الزوج ، بينما الزوجة شريك يوفر الجهد والمادة الخام ، عبر الإدارة اليومية دون أن يسجل لها حق في أصول هذه المؤسسة عند فض الشراكة ( الطلاق أو الوفاة ). ولذا لأجل إحقاق الحق يجب أن يتم تقييم الجهد العملي الذي تقوم به الزوجة ، وتقييمه ماليا . وعدم جعله مبتلعا تحت مفهوم المودة والسكن وطاعة الزوج مما يحرمها الاستقلال المالي أو مراكمة الثروة، ويصنع عالما من الظلم المقنن. ولذا على الفقهاء إيجاد طرق حديثة ومنصفة لتقييم جهود النساء.
الهوامش :
1- ينظر : الجواري :حسن أحمد حسن و صديق حاتم أحمد ، أحكام النفقة بسبب النكاح في الفقه الإسلامي ، https://uosamarra.edu.iq/wp-content/uploads/2021/09/d4ef0882aee5694f.pdf
2- الاعلان العالمي لحقوق الإنسان الغى العبودية بشكل كامل عام 1948 ، المادة الرابعة ، منظمة الأمم المتحدة ، https://www.un.org/ar/observances/slavery-abolition-day
3- المصدر السابق . كذلك : المحقق الحلي ، شرائع الإسلام ، ج 2 ، ص570 .
4- القرداغي ، علي محي الدين ( أ د ) ، المال في الإسلام دراسة فقهية تأصيلية .
https://www.e-cfr.org/blog/2020/11/16/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9
5- بورديو، بيير : أشكال الرأسمال في الحياة الاجتماعية ، مقالة نشرت 1986بالفرنسية .
https://www.marxists.org/reference/subject/philosophy/works/fr/bourdieu-forms-capital.htm?utm_source=chatgpt.com
6- الجواري ، أحكام النفقة ، م س .
7- السيستاني ، علي : منهاج الصالحين ، ط 1445هـ، النجف ، ج 3 ، المسألة 420.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|