في الرد على حسام جزماتي: في حدود اللغة وحدود ما تخفيه



شادي أبو كرم
2026 / 4 / 29

كتب الأستاذ حسام جزماتي مقالاً في موضوع شديد الحساسية. تناول فيه ما يحدث للنساء العلويات في سوريا منذ سقوط النظام، وميّز بين الخطف بوصفه جريمة مجردة، والسبي بوصفه ممارسة مؤسسية تابعة لدولة معلنة. ودعا إلى عدم الخلط بينهما، وانتقد ناشطات وناشطين سوريين رأى أنهم انجرفوا نحو النضال على حساب المعرفة. المقال يحمل اسم كاتب أحترمه، ويأتي ضمن تقليد كتابي طويل أعرف وزنه. ولهذا تحديداً أرى أن الرد عليه واجب لا ترف. لأن الكتاب الذين نأخذ كتاباتهم على محمل الجد هم بالضبط الذين نتحاور معهم بصرامة لا بمجاملة.

لنبدأ من حيث يبدأ هو. الجزء الأول من المقال، عن درعا 2011، لا يمكن الاعتراض عليه بسهولة. بالعكس، هو تفكيك دقيق لكيف استخدم النظام الأسدي فكرة "السبي" كذريعة، كأداة تعبئة، ككذبة منظمة هدفها تحويل الاحتجاج إلى تهديد وجودي. قصة قبيع، مساكن صيدا، حمزة الخطيب، كل هذا ليس تفصيلاً. هو يشرح كيف تُصنع الطائفية حين لا تكون موجودة بما يكفي. هذا الجزء قوي، بل ربما هو أفضل ما في النص.

لكن المشكلة تبدأ حين ينتقل الكاتب من هناك إلى هنا، من الكذبة إلى الواقع، من 2011 إلى اليوم. فجأة تُستخدم نفس البصيرة التي فككت خطاب النظام، ليس لكشف ما يجري، ولكن لتخفيفه. كأن الحذر من الكذبة القديمة يدفع إلى الشك في الحقيقة الجديدة. هنا تحديداً يحصل الانزلاق.

جزماتي يقول: ما يحدث اليوم ليس "سبياً". هو خطف، اغتصاب، إهانة، نعم. لكنه ليس سبياً، لأن السبي - كما يفهمه - يحتاج دولة تعلن نفسها. يحتاج منظومة واضحة، مثل داعش بعد إعلان الخلافة. أما ما يجري الآن، فهو شيء أدنى. شيء فوضوي، شيء يندرج تحت ما يسميه - ببساطة - "زعرنة". أنا أفهم لماذا يريد أن يقول هذا، أفهم خوفه من التعميم. من أن تتحول كلمة "سبي" إلى تهمة جاهزة تُلقى على جماعة كاملة، كما فعل النظام سابقاً. أفهم هذا القلق، بل أشاركه جزئياً.

لكن المشكلة ليست هنا. المشكلة أن الأدلة التي يقدمها لنفي السبي، هي نفسها الأدلة التي تجعل من الصعب نفيه. حين تُجبر امرأة على الطلاق من زوجها، ليس لأنهما اختلفا، ولكن لأن "أزعر" قرر أن زواجها لم يعد قائماً، هذا ليس تصرفاً عشوائياً. حين يُعقد عليها عقد جديد، ليس لإخفاء الجريمة، ولكن لتبريرها، هذا ليس ارتجالاً. حين تُحجّب، ليس لأنها اختارت "السترة"، ولكن لأنها صارت "شيئاً" يجب ضبطه، بالتأكيد هذا ليس تفصيلاً ثانوياً. وحين تُعاد بفدية، فهذا لا يلغي ما حدث قبلها، على العكس تماماً إنه يكمله. هذه ليست سلسلة أفعال منفصلة. هذا منطق، منطق مشوّه، لكنه منطق. تسميته "زعرنة" مريحة جداً، تجعلنا نضع كل شيء في خانة الانفلات الفردي. لكن الزعران لا يكتبون عقوداً شرعية. لا يعيدون تعريف الزواج والملكية والجسد بهذه الطريقة. لا يتكلمون بلغة تبدو، حتى وهي مبتذلة، مأخوذة من مكان ما.

وهنا نصل إلى نقطة أدق. علينا أن نتجاوز سؤال: هل هؤلاء يمثلون الإسلام أو لا. وبالأخص الآن لأن هذا نقاش آخر. عوضاً عن ذلك يجب أن نسأل: من أين أتت هذه اللغة؟ من أين جاءت فكرة أن المرأة يمكن أن تُنتزع من سياقها وتُعاد صياغتها بهذا الشكل؟ لا أحد يخترع هذا من فراغ.

وبالعودة لحلقة مسجلة نشرها في برنامجه "سنجق عرض" تحت عنوان (ملاحظات على هامش مظاهرات الساحل)، كان جزماتي واضحاً جداً. قال شيئاً مهماً: أن إنكار الطائفية في النظام السابق لا يحمي العلويين، بل يزيد الغضب ضدهم. وأكد أن مواجهة الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة، أفضل من الهروب منها. لينهي بأن الاعتراف بالبنية لا يعني اتهام كل فرد داخلها. هذا كان موقفاً شجاعاً، أو لأقل نادراً.

لكن في مقاله (فصول من سيرة «السبي» في سورية)، يتراجع جزماتي خطوة. ليس إلى الخلف بالكامل، لكن إلى منطقة أكثر حذراً. كأنه يقول: نعم، هناك جريمة، لكن لا تذهبوا بعيداً في تفسيرها. لا تربطوها ببنية، لا تسمّوها بما قد يفتح الباب على اتهامات أوسع. هنا تحديداً يظهر التناقض. لماذا كان الاعتراف بالبنية ضرورياً حين نتحدث عن نظام الأسد، ويصبح خطراً حين نتحدث عن هذه الجرائم؟ لماذا كان إنكار الطائفية "محاولة طفولية للتهرب"، كما قال، ثم يصبح الحذر من تسمية البنية الآن موقفاً معقولاً؟

أنا لا أقول إن جزماتي يناقض نفسه بالكامل. لكني أقول إنه يقف بين موقفين، ويحاول أن يوازن بينهما، لكنه يميل، في هذه اللحظة، نحو الحذر أكثر مما يحتمل الواقع. لأن القلق من التعميم مشروع، لكن تحويله إلى سبب لتخفيف وصف الجريمة، هنا المشكلة. النتيجة - مهما كانت النية - واحدة، ألا وهي تخفيف المعنى. اليوم الضحايا لا يطلبون حرباً أهلية، ولا يطلبون إدانة "سابع جار". هذا التعبير نفسه يوحي بشيء غير موجود. لا أحد يقول إن كل المجتمع مسؤول، ولا يمكن القبول بذلك. لكن في المقابل، لا يمكن القول إن لا أحد مسؤول سوى الفاعل المباشر.ز هناك منطقة بين الاثنين، منطقة اسمها السياق. في تلك المنطقة، توجد أشياء غير مريحة: خطاب، تبريرات، صمت، وربما تساهل. لا أحد يريد الحديث عنها لأنها مزعجة. لأنها تفتح أسئلة أكبر من الجريمة نفسها، لكن تجاهلها لا يلغيها.

في النهاية، المسألة ليست كلمة. خلافنا ليس على "سبي" أو "خطف"، هذا ليس جوهر الخلاف. الخلاف هو: كيف نقرأ ما يحدث لهؤلاء النساء، للمخطوفات العلويات تحديداً، اللواتي لم يعدن مجرد خبر، أصبحن أجساداً عاشت ما نناقشه هنا ببرود لغوي لا يشبهه. هل نقرأ ما جرى لهن كحادثة، أم كظاهرة؟ جزماتي يختار الحادثة. وأنا أعتقد أن الوقائع نفسها، تفاصيلها، لغتها، الطريقة التي أُعيد بها تعريف حياة هؤلاء النساء، تدفعنا، حتى لو على مضض، نحو الظاهرة. وربما هنا يمكن أن نعود إليه، لا ضده. لأنه، في حديثه عن العلويين، كان يعرف شيئاً مهماً: أن الحقيقة، حتى حين تكون خطرة، أقل خطراً من إنكارها. وهؤلاء النساء، تحديداً، لا يحتجن إلى لغة تحمي أحداً بقدر ما يحتجن إلى لغة لا تُخفّف ما حدث لهن.