العمل النسائي غير المرئي: وقود الاقتصاد الصامت



بيان صالح
2026 / 4 / 30

العمل النسائي غير المرئي: وقود الاقتصاد الصامت
العمل المنزلي والرعائي، عمل بلا اجر ولا اعتراف

بمناسبة يوم 1 ايار، اليوم العالمي للعمال والعاملات، من المهم تسليط الضوء على شكل من اشكال العمل الذي غالبا ما يهمش في النقاشات الاقتصادية والسياسية: «العمل النسائي غير المرئي».

يعد هذا المفهوم من الركائز الاساسية في التحليل النسوي الاشتراكي، حيث لا ينظر الى العمل المنزلي والرعائي كمهام فردية او «طبيعية»، بل كجزء اساسي من عملية اعادة انتاج قوة العمل التي يقوم عليها الاقتصاد ككل.

منذ بدايات الفكر النسوي الاشتراكي، تناولت المناضلة الكسندرا كولونتاي قضية تحرير المراة من عبء العمل المنزلي غير المدفوع، معتبرة ان المساواة الحقيقية لا يمكن ان تتحقق دون اعادة تنظيم جذري للعلاقات داخل الاسرة والمجتمع. لاحقا، طورت سيلفيا فيديريشي هذا التحليل، موضحة ان العمل المنزلي غير المرئي ليس هامشيا، هو اساس استمرار النظام الراسمالي نفسه.


الارقام تتكلم، حجم ظاهرة عالمية
على المستوى العالمي، تكشف البيانات ان هذا العمل ليس ظاهرة فردية بل بنية واسعة: فالنساء يقمن بحوالي 76% من اجمالي ساعات العمل غير المدفوع عالميا، ويقضين في المتوسط ساعات اطول يوميا من الرجال في الاعمال المنزلية والرعائية. كما يقدر ان هناك اكثر من 16 مليار ساعة يوميا من العمل غير المدفوع يتم انجازها حول العالم، وهي ارقام تكشف حجم اقتصاد كامل غير مرئي لكنه اساسي لاستمرار المجتمعات. ورغم هذا الحجم الهائل، تبقى مئات الملايين من النساء مقيدات بسبب مسؤوليات الرعاية غير المدفوعة، مما يحد من فرصهن في العمل الماجور ويعيد انتاج عدم وجود فرص متساوية للجنسين.
وفي بلد مثل الدنمارك، ورغم التقدم في سياسات المساواة وارتفاع مشاركة النساء في سوق العمل، تظهر الاحصائيات استمرار الفجوة في توزيع العمل غير المدفوع، اذ تقضي النساء حوالي 15.6% من يومهن في العمل غير المدفوع مقابل 11.3% للرجال، وهو ما يعكس بقاء عدم التوازن في اعمال الرعاية داخل الاسرة حتى في المجتمعات التي تعد من الاكثر تقدما في المساواة بين الجنسين.

ما هو العمل غير المرئي؟
في الواقع، تقوم المراة في معظم المجتمعات بالجزء الاكبر من العمل غير المرئي، مثل رعاية الاطفال، والاعمال المنزلية، والتنظيم اليومي للحياة الاسرية، اضافة الى ما يعرف بـ«العبء الذهني». هذا العمل، رغم ضرورته لاستمرار المجتمع، لا يعترف به اقتصاديا ولا يكافا ماديا.

لا يقتصر هذا النوع من العمل على المجال المنزلي فقط، يمتد ايضا الى بيئات العمل والمؤسسات. فغالبا ما تسند الى النساء مهام غير رسمية وغير معترف بها ضمن التقييم المهني، كتنظيم المناسبات والاجتماعات، ومتابعة التفاصيل اللوجستية، والقيام باعمال «دعم الفريق» والحفاظ على الانسجام داخل بيئة العمل.

ورغم اهمية هذه المهام في نجاح المؤسسات، الا انها نادرا ما تحتسب ضمن الانجاز الوظيفي او تؤثر في الترقيات، مما يعيد انتاج نفس منطق العمل غير المرئي داخل المجال العام ايضا.



الابوية والراسمالية: تحالف يرسخ على حساب المراة ويعيد انتاج تهميشها
ان هذا الوضع ليس طبيعيا ولا عرضيا، هو نتيجة تاريخية مقصودة لتقاطع النظام الابوي مع النظام الراسمالي. فالراسمالية لم تجد يوما حاجة لدفع ثمن العمل الذي يعيد انتاج قوة العمل، تربية الاطفال، رعاية المرضى، الحفاظ على تماسك الاسرة، طالما كان هذا العمل يقدم على انه «واجب انثوي» فطري لا يستحق اجرا. وهكذا يضمن النظام استمراريته باقل تكلفة ممكنة، على حساب المراة.

ما زاد الامر تعقيدا ان دخول المراة الى سوق العمل لم ينه هذا العبء، افضى في كثير من الحالات الى ما يعرف بـ«العمل المزدوج»، حيث تخرج المراة من المنزل الى وظيفة كاملة ثم تعود لتبدا وظيفة ثانية غير مرئية وغير مدفوعة. لم يتوزع العبء، تضاعف.

ولا يقتصر اثر هذا الوضع على الجانب الاقتصادي، يمتد عميقا الى البنية النفسية والاجتماعية للمراة. فاستمرار تراكم المسؤوليات غير المعترف بها يفضي الى:
• ضغط ذهني مستمر وارهاق نفسي طويل الامد يصعب تسميته او الشكوى منه لانه «غير مرئي» هو الاخر
• تقليص مساحة المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، اذ لا وقت ولا طاقة تتبقيان بعد انتهاء اليوم
• تقليل قيمة المراة في محيطها حين يقاس «العمل» فقط بما يحمل اجرا، فتصبح مساهمتها الاكبر هي الاقل اعترافا
• تعزيز علاقات غير متكافئة داخل الاسرة واعادة انتاج التبعية الاقتصادية جيلا بعد جيل


نحو تغيير جذري، الطرح البديل؟
لا يمكن ان تكون الحلول فردية فقط، يجب ان تكون سياسية وبنيوية تمس جذور تقسيم العمل في المجتمع. ولابد ان تتركز في هذا الاطار في جملة من المحاور:
اعادة توزيع العمل المنزلي والرعائي: اعادة توزيع العمل المنزلي والرعائي بشكل عادل بين النساء والرجال ليست مسالة اختيار شخصي، هي ضرورة اجتماعية تتطلب تغييرا في البنية الاقتصادية و السياسية و الثقافية
. توسيع خدمات الرعاية العامة: توسيع خدمات الرعاية العامة والمدعومة من الدولة، مثل الحضانات ورعاية كبار السن، يمكن ان يحول هذا العبء من مسؤولية فردية الى مسؤولية مجتمعية مشتركة.
تقليص ساعات العمل الماجور: تقليص ساعات العمل الماجور يمكن ان يخلق توازنا افضل بين الحياة والعمل، ويتيح مشاركة اوسع في مهام الرعاية دون تحميل طرف واحد العبء الكامل.
الاعتراف الاقتصادي بالعمل المنزلي والرعائي: الاعتراف الاقتصادي بالعمل المنزلي والرعائي يعد خطوة اساسية لكسر فكرة ان هذا العمل غير موجود اقتصاديا. وفي الاطار الاوسع، ان اي تغيير حقيقي يتطلب اعادة تنظيم الاقتصاد نفسه بحيث لا يعتمد على العمل غير المدفوع كركيزة خفية لاستمراره.


في النهاية، من يعرف «العمل»؟
في هذا اليوم العالمي للعمال والعاملات، يصبح من الضروري اعادة التفكير في معنى «العمل» نفسه: من يعرفه؟ ومن يحصل على الاعتراف به؟ ومن يتحمل الاعباء غير المرئية التي يقوم عليها المجتمع؟ هذه ليست اسئلة فلسفية مجردة، هي اسئلة سياسية واقتصادية تمس حياة مئات الملايين من النساء يوميا، وتحدد من يرى ومن يبقى في الظل.
حين نتحدث عن الاقتصاد، نستحضر عادة المصانع والمكاتب والاسواق والارقام في الميزانيات الوطنية. لكن ثمة اقتصاد اخر مواز، ضخم وصامت، يشغل كل يوم في المنازل والاسر والمجتمعات، اقتصاد تديره المراة في معظمه، دون اجر ودون اعتراف ودون حضور في اي احصاء رسمي.
هذا الاقتصاد الخفي هو الذي يطعم الاطفال ويربيهم، ويرعى المرضى وكبار السن، ويبقي الحياة الاجتماعية في حالة من الانسجام والاستمرارية. وحين يغيب، لا يغيب وحده، يتوقف معه كثير مما نسميه «المجتمع».
ان الاعتراف بالعمل النسائي غير المرئي ليس فقط مسالة مساواة حقيقية داخل المجتمع، هو جزء اساسي من اي مشروع يسعى الى تحقيق المساواة الكاملة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية. فطالما ظل هذا العمل خارج حسابات القيمة والاعتراف، ستظل المراة تحمل عبئا مضاعفا في صمت، وستظل الفجوة بين الجنسين تعاد انتاجها جيلا بعد جيل، حتى في المجتمعات التي وصلت المساواة فيها الى مراحل متقدمة وتضعها في صدارة قيمها المعلنة.

التغيير الحقيقي لا يبدا فقط بتعديل القوانين او تحسين الاحصاءات، يبدا باعادة تعريف ما نعتبره عملا ذا قيمة، واعادة توزيع هذه القيمة بشكل عادل بين الجميع. وليس فقط ان تدخل المراة سوق العمل بشروط متساوية، بل ان يعاد تنظيم المجتمع باسره بحيث لا يقوم على استنزاف طرف واحد دون ان يراه احد.