انقلاب المعايير: المرأة المدخنة والموشومة في المجتمع العراقي المعاصر



آلاء عبد الحي جبار
2026 / 5 / 6

ما كان بالأمس رمزًا للهوية والجمال والمكانة، صار اليوم في كثير من الأحيان مدخلًا للإدانة والتجريح. الوشم الذي كانت الجدة تحمله على ذقنها بفخر، والسيجارة التي كانت السيدة تُمسك بها باعتزاز، باتا اليوم في نظر شريحة واسعة من المجتمع "دليلًا" على انحلال المرأة وسقوطها الأخلاقي.

هذا التحول لا يحدث من فراغ، إنه نتاج تراكم عقود من التحولات السياسية، والدينية، والاجتماعية، التي أعادت رسم صورة "المرأة المقبولة" في المخيلة الجمعية.

من الجمال إلى التهمة..
الموشومة اليوم لا تُسأل عن دوافعها أو تاريخها أو ذوقها، بل تُحاكَم فورًآ، الألقاب التي تُلصق بها في الشارع والمجالس ومنصات التواصل تتراوح بين الإهانة الخفيفة والتجريح الصريح في شرفها وأخلاقها، وشمها لا يُقرأ كزينة، بل كـ"علامة" يفسّرها المحيط كيفما شاء، وغالبًا ما يفسّرها بالأسوأ.
المدخّنة حالها أشد. فالمرأة التي تُشعل سيجارة في الفضاء العام في أغلب المحافظات العراقية، تُعرّض نفسها لنظرات الاستنكار والتعليقات المؤذية، وأحيانًا المواجهة المباشرة. حتى في المدن الكبرى، تضطر كثيرات إلى الاختباء للتدخين خوفًا من الأهل قبل الغرباء.

المجتمع الرقمي: ميدان التنكيل الأوسع..
جاءت منصات التواصل الاجتماعي لتُضاعف حدة هذا الحكم، فحين تنشر امرأة صورة تظهر فيها موشومة أو تمسك سيجارة، يتحول قسم التعليقات إلى ما يشبه المحكمة الشعبية، تُوصف بأوصاف تطعن في سيرتها الشخصية وعفتها.
يُشكَّك في تربيتها وأسرتها، تُربط سيجارتها أو وشمها بسلوكيات أخرى لا علاقة لها بهما البتة، وأحيانًا تتحول إلى ظاهرة للسخرية والتداول. وما يزيد الأمر مرارة أن بعض هذا التنكيل يصدر عن نساء أخريات، وهو ما يكشف أن المسألة ليست صراعًا بين الجنسين فحسب، بل هي ضغط اجتماعي ممنهج تُمارسه المجموعة على أفرادها.

جذور هذا الانقلاب...
هذا التشدد لم يكن سمة العراق الثابتة عبر التاريخ، عراق الخمسينيات والستينيات شهد حضورًا نسائيًا واسعًا في الفضاء العام، في الجامعات والمقاهي والفنون. لكن عقودًا من الحروب والحصار والتشدد الديني المتصاعد بعد 2003، أعادت تشكيل المنظومة القيمية بشكل عميق. فصار جزء كبير من الهوية الجماعية يقوم على ضبط جسد المرأة ومراقبة سلوكها، وكأن فضيلة المجتمع تُقاس بما تفعله المرأة بجسدها.

المفارقة الصارخة..
المفارقة التي لا يمكن تجاهلها، الجدة الموشومة في القرية تُحترم وتُبجَّل، ووشمها يُقرأ كتاريخ وعراقة، لكن حفيدتها التي تضع وشمًا في المدينة تُهان وتُحاكَم، السيجارة التي كانت علامة رُقي في مجلس البغداديات، باتت اليوم "فضيحة" تستوجب القطيعة. هذا لا يعني أن على الجميع تبني هذه الخيارات أو تمجيدها، لكنه يعني بوضوح أن الحكم على المرأة وإهانتها بسببها ليس قيمة أصيلة ولا ثابتة، بل هو خطاب مُنتج ومُعاد إنتاجه، يخدم في النهاية سلطة اجتماعية لا علاقة لها بالأخلاق الحقيقية.

في الختام..
المرأة التي تحمل وشمًا أو تُمسك بسيجارة ليست في المحكمة. هي إنسان يمارس خياراته الشخصية في حدود جسده وحياته، والفارق الجوهري بين المجتمع الناضج والمجتمع المأزوم يكمن هنا تحديدًا، هل يرى في المرأة المختلفة إنسانًا يستحق الاحترام، أم هدفًا يستحق العقاب؟
الكلمة القذرة التي تُقال في حق امرأة بسبب وشمها أو سيجارتها، لا تقول شيئًا عنها، لكنها تقول كل شيء عمّن قالها.