لوثة التدين



منير السباح
2026 / 5 / 7

اللوثة الدينية ليست التزامًا حقيقيًا بالدين، بل حالة من التشوش والانحراف في فهمه وممارسته. وهي تظهر حين يتحول الدين من منظومة أخلاق وعدل ورحمة إلى مجرد مظاهر وأحكام جاهزة يُنصّب بها الإنسان نفسه وصيًا على الناس، يقيس إيمانهم ويصدر بحقهم أحكام القبول والرفض، بينما يفتقر في الأصل إلى الفهم العميق لجوهر الدين ومقاصده.

هذا النوع من التدين يكتفي بالقشور والشكليات، ويتغذى غالبًا على مفاهيم مبتورة، أو خطابات متشددة، أو بيئات مغلقة ورثت الخوف والكبت وسوء الفهم، حتى يصبح التدين فيها أقرب إلى حالة نفسية أو اجتماعية منه إلى وعي روحي وأخلاقي.

والمفارقة المؤلمة أن أصحاب هذا الخطاب قد يبالغون في التحريم والتشدد وإظهار التدين، لكنهم في واقع المعاملات يقعون في الظلم، والقسوة، وأكل الحقوق، والكذب، والرياء، وإيذاء الناس. وكأن الدين لديهم تحوّل إلى مظهر وهوية، لا إلى سلوك وقيم.

إن جوهر الدين لا يُقاس بطول المظاهر ولا بحدة الأحكام، بل بصدق الإنسان، وعدله، ورحمته، ونزاهته، واحترامه لحقوق الآخرين. فالدين الحقيقي ينعكس في المعاملة قبل الشعارات، وفي الأخلاق قبل الادعاء، وفي تهذيب النفس قبل مراقبة الناس وإدانتهم.

ما دفعني إلى هذا الحديث هو ذلك السيل من التعليقات القاسية التي وُجّهت إلى امرأة كبيرة في السن تواسي زوجها الراقد على سرير المرض في مستشفى شهداء الأقصى. بصوتها الشجيّ تواسيه، وتغمره بحنانٍ دافئ، كأنها تحاول أن تنتزع عنه قسوة اللحظة ووحشة السرير الأبيض. لم تكن تفعل سوى أن تُشعره بالحياة، وأن تقول له بطريقتها البسيطة: ما زلتُ هنا إلى جانبك.

كان المشهد إنسانيًا إلى حدٍ بالغ؛ امرأة تُحيط شريك عمرها بلطفها، وتسكب في روحه شيئًا من الطمأنينة، بينما انشغل البعض بمحاكمتها أخلاقيًا، وكأن الرحمة أصبحت تهمة، وكأن التعبير عن المودة خروج عن الوقار والدين.

ويقال إنها كفيفة، لكنها كانت ترى ببصيرتها ما لا يراه كثيرون بأعينهم؛ تدرك أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى الخوف والوعظ وتذكيره بالموت، بل يحتاج أحيانًا إلى الأمل، وإلى صوتٍ يحمله بعيدًا عن رهبة الألم ووحشة المرض.

المفارقة أن كثيرين اعترضوا لأنّها غنّت له، بينما لو جلست تقرأ عليه القرآن بصوت الوداع لما اعترض أحد، مع أن العرف الاجتماعي جعل تلاوة القرآن عند من يرقد على سرير المرض مرتبطة في أذهان الناس بلحظة الرحيل الأخيرة، وكأن الإنسان يُدفَع نفسيًا إلى الاستسلام للموت بدل التمسك بالحياة.

هي، ببساطتها الفطرية، اختارت طريقًا آخر؛ اختارت أن تبعث فيه حب الحياة، وأن تمنحه شيئًا من الأنس والدفء في لحظة هشّة وقاسية. وربما كان ذلك أصدق أثرًا في نفسه من كثير من خطابات التخويف والكبت التي اعتاد الناس ترديدها باسم التدين.

ثم إن دين الرحمة أوسع من هذه النظرة الضيقة؛ فقد مرّ في السيرة كثير من المواقف التي تُظهر فسحة الحياة ولطف المعاملة وحق النفس في الترويح والمودة. يكفي قول النبي ﷺ: «ساعة وساعة يا حنظلة»، وحديث الجاريتين اللتين غنّتا في بيته، وقصة المرأة التي كانت تشتاق زوجها الغائب حتى سأل عمر بن الخطاب ابنته حفصة بنت عمر عن صبر النساء على غياب أزواجهن، فأدرك حاجة البشر الفطرية إلى الأنس والقرب والمودة.

ليست كل مظاهر اللطف خروجًا عن الدين، وليست القسوة دليل تقوى. فالدين الذي لا يفسح مكانًا للرحمة والحنان والرفق، يتحول في أيدي البعض إلى أحكام جامدة تخلو من روح الإنسان.