الولي في الزواج بين النص الفقهي والمقاصد الشرعية: جدل السلطة وحرية المرأة في الاختيار



مصطفى محمود مقلد
2026 / 5 / 16

ولاية المرأة على نفسها ليست تمردًا على الشريعة كما يصورها البعض، ولا خروجًا عن الدين أو الأسرة، بل هي واحدة من أكثر المسائل الفقهية التي كُتب حولها جدل طويل يكشف في حقيقته سؤالًا أعمق:
هل الولاية في الزواج وُجدت باعتبارها سلطة على المرأة، أم باعتبارها وسيلة لحماية إرادتها؟

المشكلة أن كثيرًا من النقاشات الحديثة تتعامل مع “الولي” وكأنه أصل العقد ذاته، بينما القراءة الأعمق للنصوص والمقاصد تكشف أن جوهر المسألة كان دائمًا يدور حول شيء واحد: رضا المرأة واختيارها الحر.

فالنبي ﷺ لم يجعل إرادة المرأة أمرًا ثانويًا، بل قرر بوضوح:
«الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها».

وهنا تظهر دلالة شديدة الأهمية:
أن الحق الأصلي متعلق بالمرأة نفسها، لا بمن يتولى العقد عنها.

بل إن السنة نفسها شهدت واقعة ردّ النبي ﷺ لنكاح امرأة زُوِّجت بغير رضاها، رغم وجود الأب كولي، وهو ما يكشف أن الولاية ليست سلطة مطلقة تتجاوز إرادة صاحبة الشأن.

ومن هنا جاء البناء الفقهي العميق عند فقهاء الحنفية، الذين قرروا أن المرأة البالغة العاقلة تملك الولاية على نفسها في الزواج، قياسًا على حقها الكامل في التصرف في مالها وعقودها.

فالمنطق الفقهي هنا يطرح سؤالًا مهمًا:
إذا كانت الشريعة أعطت المرأة حق البيع والشراء والتصرف المالي الكامل، فكيف تُسلب أهليتها فقط عند اختيار شريك حياتها؟

كما أن القرآن نفسه حين نهى الأولياء عن “العضل” في قوله تعالى:
{فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن}
فهو ضمنيًا يقرر أن حق النكاح مضاف للمرأة أصلًا، وأن دور الولي لا يجوز أن يتحول إلى أداة منع أو مصادرة للإرادة.

والأهم أن فهم الولاية تاريخيًا يختلف كثيرًا عن تحويلها إلى وصاية أبدية.
فالبيئات القديمة كانت تقوم على العصبية القبلية وغياب مؤسسات الحماية القانونية، فكان الولي يمثل غطاءً اجتماعيًا وضمانة حماية أكثر من كونه “مالكًا للقرار”.

أما في الدولة الحديثة، حيث توجد قوانين وتوثيق وقضاء وضمانات، فإن فلسفة الولاية نفسها تصبح أقرب إلى “المساندة والمشورة” لا “الإجبار والتحكم”.

لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فقط في الخلاف الفقهي، بل في الطريقة التي يُدار بها النقاش أصلًا.

فبعض الطروحات تتعامل مع المرأة وكأنها “محل للعقد” لا طرف أصيل فيه، بينما فلسفة العقود في الشريعة والقانون تقوم أساسًا على الرضا المتبادل والأهلية الكاملة للطرفين.

ولهذا كان من اللافت أن الفقه الإسلامي نفسه لم يكن كتلة واحدة جامدة، بل عرف تنوعًا واسعًا في فهم النصوص وتحقيق المقاصد.
فالخلاف حول الولي لم يكن صراعًا بين “دين” و”تمرد”، بل خلافًا فقهيًا معتبرًا حول طبيعة الولاية وحدودها ووظيفتها.

بل إن التوسع في تحويل الولاية إلى سلطة مطلقة أفرز عبر الزمن إشكاليات خطيرة، أبرزها:

- منع الزواج تعسفًا
- استخدام الولاية كأداة ضغط اجتماعي
- تحويل حق الاختيار إلى ساحة صراع عائلي
- تغليب الاعتبارات الطبقية أو القبلية على إرادة الإنسان نفسه

ولهذا جاء مفهوم “العضل” في القرآن باعتباره سلوكًا مرفوضًا، لأن الولاية إذا تحولت إلى منعٍ دائم سقط مقصدها وتحولت من حماية إلى تقييد.

واللافت أيضًا أن كثيرًا ممن يرفضون أهلية المرأة في الزواج يقبلون أهلية الرجل الكاملة بمجرد البلوغ، رغم أن مناط التكليف الشرعي والقانوني واحد: العقل والتمييز.

وهنا يظهر سؤال منطقي لا يمكن تجاهله:
هل المشكلة فعلًا في “الأهلية”، أم في التصور الاجتماعي لفكرة استقلال قرار المرأة أصلًا؟

فالواقع أن كثيرًا من المجتمعات لا تعترض على عمل المرأة أو تعليمها أو تحملها للمسؤوليات، لكنها تتوقف فجأة عند حقها في الاختيار الشخصي، وكأن الاستقلال يصبح مقبولًا ما دام لا يمس البنية التقليدية للسلطة الاجتماعية.

كما أن اختزال مفهوم الولاية في “الإذن” فقط يغفل أن العلاقات الأسرية السوية لا تُبنى أصلًا على القهر القانوني، بل على الثقة والتفاهم والقبول المتبادل.

فالأب الحقيقي لا يحتاج إلى سلطة إجبار حتى يكون حاضرًا في حياة ابنته، والأسرة الطبيعية لا تُختزل في توقيع على عقد، بل في دور أخلاقي وإنساني أعمق من فكرة التحكم.

ورغم ذلك، فمن المهم التأكيد أن المسألة ليست محل اتفاق فقهي كامل كما قد يتصور البعض، بل من المسائل التي شهدت خلافًا معتبرًا بين المدارس الفقهية الإسلامية.

فجمهور الفقهاء ذهبوا إلى اشتراط الولي لصحة العقد استنادًا إلى حديث «لا نكاح إلا بولي»، ورأوا أن وجوده ليس مجرد إجراء شكلي، بل جزء من البنية التنظيمية للأسرة في التصور الفقهي التقليدي.

لكن في المقابل، فإن المذهب الحنفي – وهو أحد المذاهب السنية الأربعة المعتبرة – قرر أهلية المرأة البالغة العاقلة في مباشرة عقد زواجها بنفسها، وهو ما يؤكد أن المسألة ليست من القطعيات التي لا تحتمل النظر، بل من المساحات الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء قديمًا وحديثًا.

كما أن الحديث عن “ولاية المرأة على نفسها” لا يعني إلغاء دور الأسرة أو التقليل من قيمة المشورة والخبرة الاجتماعية، فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى بمنطق العناد الفردي، وإنما بالتوازن بين الحرية والمسؤولية.

فالأسرة تبقى عنصر حماية واحتواء مهم، لكن الفرق كبير بين “النصح” و”المصادرة”، وبين “المساندة” و”التحكم”.

كذلك فإن الاستناد إلى أهلية المرأة لا يعني تجاهل مفهوم “الكفاءة” الذي ناقشه الفقهاء أنفسهم، باعتباره وسيلة لحماية استقرار العلاقة ومنع الضرر الاجتماعي، لا باعتباره أداة لإهدار إرادة المرأة أو تحويلها إلى شخص ناقص الأهلية.

ولهذا فالقضية في جوهرها ليست صراعًا بين الدين والحرية كما يحاول البعض تصويرها، بل نقاش حول كيفية فهم النصوص في ضوء مقاصدها الكبرى:
هل المقصود حماية إرادة الإنسان… أم الحلول محلها؟

وفي النهاية، تبقى القضية أوسع من مجرد خلاف فقهي فرعي.
نحن أمام سؤال يتعلق بعلاقة الإنسان بحريته، وحدود السلطة داخل الأسرة، وكيف يمكن فهم النصوص بروحها ومقاصدها لا فقط بصورتها المجتزأة.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نص عظيم… أن يتحول من وسيلة لتحقيق العدل إلى أداة لتعطيل إرادة الإنسان التي جاء أصل التشريع لحمايتها.

وقوة الفقه الإسلامي تاريخيًا لم تكن في إغلاق باب النقاش، بل في قدرته على استيعاب الاختلاف والاجتهاد وتنوع البيئات والأزمان، دون مصادرة أو تخوين أو تحويل المسائل الاجتهادية إلى معارك هوية.

فالعدل لا يتحقق بإلغاء صوت المرأة، كما أن حماية الأسرة لا تعني مصادرة حق الإنسان في الاختيار.

وإذا كانت الشريعة قد جاءت أصلًا لصيانة الكرامة الإنسانية، فإن أول ما يجب صيانته… هو إرادة الإنسان الحرة الواعية، لا تحويلها إلى مجرد توقيع ينتظر الإذن.