|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
!--a>
2026 / 5 / 18
المرونة العصبية وأدوار المرأة: رؤية تكاملية بين العلم والثقافة
كثيراً ما نفسر السلوك البشري، وتحديداً أدوار المرأة الاجتماعية في حياتنا العامة، من عدسة "الحتمية البيولوجية" الخالصة؛ وكأننا، أو معظمنا، أسرى لتاريخنا التطوري وغرائزنا الحيوانية. ورغم أننا لا ننكر تجذر إرثنا البيولوجي، إلا أن اختزال الإنسان المعاصر في مجرد "آلة غريزية" تبحث عن البقاء والتكاثر هو تبسيط مخلّ.
الحقيقة أن ما يميزنا نحن البشر هو المرونة العصبية (Neuroplasticity) وقدرتنا على التطور الثقافي التراكمي. فنحن نصنع المعنى، ورغم ذلك، لا ينبغي أن يدفعنا هذا لإلغاء دور البيولوجيا والارتماء في حضن "النموذج الثقافي المطلق". فالقصة الحقيقية تكمن في النواة الغريزية وتفاعلاتها المعقدة:
ما بعد الخصوبة: استراتيجية تطورية ذكية، لا مرحلة تقاعدية
يعتقد البعض أن مرحلة انقطاع الطمث (سن اليأس) هي مرحلة سلبية، معتبرين إياها "فراغاً" أو انتهاءً لصلاحية المرأة البيولوجية. لكن عدسة التطور البشري تخبرنا بقصة مختلفة؛ فالإنسان من الثدييات النادرة التي تعيش إناثه لعقود بعد توقف الخصوبة. تُفسر الأوساط العلمية هذه الظاهرة بما يُعرف بـ "فرضية الجدة" (The Grandmother Hypothesis). تؤكد هذه الفرضية أن بقاء النساء المتقدمات في العمر حَيّات وفاعلات كان عنصراً حاسماً في استمرار المجموعات البشرية، من خلال أدوارهن في رعاية الأحفاد، ونقل الحكمة والمعرفة، وتوفير الموارد. بناءً على ذلك، فإن دور المرأة بعد الخصوبة ليس انحرافاً عن الطبيعة، بل هو ركيزة أساسية وامتداد تطوري استراتيجي.
السلوكيات النفسية: تقاطع الغريزة مع صراع البقاء
تُعزى بعض السلوكيات النمطية، مثل الغيرة المفرطة للأم من زوجة الابن أو التمسك المرضي بالأبناء، إلى دوافع غريزية بحتة. غير أن التحليل العلمي يكشف عن شبكة معقدة من الدوافع:
• السياق الوجودي: تاريخياً، كان مصير المرأة وأمانها الوجودي مرتبطين كلياً بزوجها ثم بأبنائها الذكور. وفي ظل هذا السياق، أصبح ضمان ولاء الابن مسألة "وجود وأمان" بالدرجة الأولى. والدليل على ذلك أن هذه السلوكيات تتراجع بشدة في المجتمعات الحديثة التي توفر الاستقلال المالي وشبكات الضمان الاجتماعي للمرأة، مما يثبت أن السياق الثقافي والاقتصادي هو المحرك الفعلي لتلك الغرائز.
• أدوات التعبير: مشاعر الغيرة وحب التملك موجودة لدى الجنسين، لكن طرق التعبير عنها تختلف. تؤكد الإحصاءات أن النساء أكثر عرضة للعنف الجسدي من قبل الشريك، بينما تميل النساء غالباً إلى ممارسة "عدوان علائقي ونفسي" بدلاً من العدوان الجسدي المباشر. الغريزة قد تكون مشتركة، لكن أدوات التعبير عنها تتشكل بوضوح وفقاً لضوابط التنشئة والثقافة.
خرافة "العقاب البيولوجي" للمرأة القيادية!!
من أكثر المغالطات شيوعاً الادعاء بأن تولي المرأة للمناصب القيادية يعرضها للنوبات القلبية، وكأن جسدها يعاقبها على التمرد ضد "طبيعتها الأنثوية". هذا الطرح يتطلب تفنيداً طبياً قاطعاً:
• السبب الفسيولوجي الحقيقي لارتفاع معدلات أمراض القلب لدى النساء في منتصف العمر هو الانخفاض الحاد في هرمون الإستروجين (Estrogen)، وهو الهرمون الذي يوفر حماية طبيعية للأوعية الدموية. هذا التغير الحتمي يصيب كافة النساء بعد توقف الخصوبة، سواء كنّ مديرات تنفيذيات أو ربات بيوت.
• المناصب القيادية ترفع مستويات هرمون التوتر (الكورتيزول) لدى الرجال والنساء على حد سواء. لكن التحدي الإضافي الذي يواجه القياديات هو "العبء المزدوج" المتمثل في محاولة التوفيق بين التزامات العمل الثقيلة والتوقعات الاجتماعية والأسرية، وهو ما يولد إجهاداً مزمناً، وليس رفضاً فسيولوجياً للقيادة.
• لا توجد دراسة طبية واحدة تثبت أن نشاط المرأة الاستراتيجي يضر بصحتها. بل على العكس، يُجمع الأطباء على أن الاستقلال المالي، والنشاط العقلي المستمر، والانخراط المجتمعي هي عادات واقية لكلا الجنسين ضد الاكتئاب والتدهور المعرفي (مثل مرض ألزهايمر).
قشرة الفص الجبهي: انتصار العقل على الغريزة المباشرة
إن خروج المرأة للعمل وإدارتها لشؤون الحياة لا يعد انسلاخاً عن بيولوجيتها، بل هو احتفاء بأهم سماتنا التطورية كبشر: المرونة العصبية. يعود الفضل في ذلك إلى قشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex)، وهي المنطقة الدماغية المسؤولة عن التخطيط الاستراتيجي، وكبح الاندفاعات، واتخاذ القرارات المعقدة.
ولكي نكون منصفين علمياً، فإن الاعتراف بهذه المرونة الفائقة لا يعني إنكار وجود بعض الفروق البيولوجية المعتدلة بين الجنسين في الاستجابة للخطر أو الميول المزاجية. هذه الفروق موجودة وتتداخل بشكل كبير، لكنها لا تصنع "حتمية عمياء". فالعالم يُبنى على التناغم بين البنية التكوينية، والمؤثرات الثقافية، وإرادة الإنسان الحرة.
لا جدال في أننا كيانات بيولوجية، ولكن إرثنا التطوري زوّدنا بمرونة عصبية! وثقافية استثنائية تسمح لنا بخلق المعنى والهدف خارج حدود "البيولوجيا التكاثرية". الاعتراف بالفروق البيولوجية ليس رجعية، والإقرار بقوة الثقافة ليس إنكاراً للواقع الغريزي.
يمكننا فهم هذا التكامل عبر معادلة ثلاثية متوازنة: البيولوجيا تضع حجر الأساس، والثقافة تهندس البناء، والفرد يضع لمسته الحرة في المساحة المتبقية. وبقياس هذه المعطيات على القياسات الأربعة (التطورية، النفسية، الاجتماعية، والعقلانية)، ندرك أن المرأة، شأنها شأن الرجل، كائن مؤهل للقيادة والإبداع والعمل. وهي قادرة بوعيها الحر والعقلاني على إدارة متغيراتها البيولوجية وضغوطها الاجتماعية؛ وذلك، في نهاية المطاف، هو أسمى تجليات التكيف البشري الذكي.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|