فخ -الحداثة الانتقائية-: كيف يُهدر العمل المنزلي في ميزان -المساواة المزيفة-؟



هدي رضا
2026 / 5 / 19

غالباً ما يتم استدعاء مفهوم "الحداثة" في مجتمعاتنا العربية بشكل مبتور، حيث يُستخدم كأداة للضغط على المرأة اقتصادياً تحت شعار "المساواة"، بينما يتم تجاهل الأسس الفلسفية والقانونية التي قامت عليها الحداثة في المجتمعات التي أنتجتها. نحن أمام نموذج "نصب فكري" يسعى لاستغلال المرأة مرتين: مرة كعاملة خارج المنزل، ومرة كمقدمة رعاية مجانية داخله.
مغالطة "العمل غير المأجور"
إن الجدل المثار حول مساهمة المرأة المادية في المنزل يتناسى عمداً حقيقة اقتصادية بديهية: الاقتصاد العالمي يقوم على أكتاف "العمل غير المأجور". عندما تقوم الزوجة بالطهي، التنظيف، والتربية، هي لا تقوم بـ "مهام فطرية" فحسب، بل هي تقدم "دعماً لوجستياً" حاسماً يسمح للرجل بالتفرغ لعمله المأجور. لولا هذا الجهد المجاني، لما استطاع الشريك تكوين ثروته أو حتى الحفاظ على انتاجيته المهنية.
في النظم القانونية الحديثة (مثل النظم الأوروبية)، لا يُنظر للزواج كعقد إذعان، بل كشراكة قانونية. ومن هنا، يُصنف جهد "ربة المنزل"  كـ "مساهمة اقتصادية". فمن منظور حسابي، هي وفرت على ميزانية الأسرة تكاليف طائلة لخدمات (الرعاية، الإدارة المنزلية، التعليم، والنقل). لذا، يصبح حقها في نصف الأصول عند الانفصال ليس "هبة"، بل هو استرداد لقيمة عملها الذي استُثمر في نجاح هذه الشراكة.
الحداثة كاستقلال لا كاستغلال
إن مدعي الحداثة في مجتمعاتنا يمارسون نوعاً من "القروسطية المقنعة"؛ يطالبون المرأة بالاستقلال المادي والمشاركة في المصاريف، وفي الوقت نفسه يعتبرون جهدها المنزلي "حقاً مكتسباً" لا تسعيرة له. هذا الخلط المتعمد بين "الحداثة" في المصاريف و"التقليدية" في المكاسب المنزلية هو جوهر الاستغلال.
إذا أردنا تطبيق الحداثة بجدية، فيجب أن نعترف بـ "تكلفة الفرصة البديلة". الوقت والمجهود المستنزف في الحمل، الولادة، والرضاعة ليس مجرد دور بيولوجي، بل هو استهلاك للصحة وتعطيل للمسار المهني والترقيات. الحداثة الحقيقية تقتضي تعويض هذا الفارق، لا استخدامه كذريعة لزيادة الأعباء.
الاستثمار في "الحب" للتهرب من "الحق"
يتم تغليف العمل المنزلي دائماً بمصطلحات "المودة والعطاء" لشرعنة نهب المجهود، لكن بمجرد المطالبة بالحقوق المادية، تتحول اللغة فجأة إلى "الندية والمساواة الحسابية". هذا الانفصام يعكس رغبة في "استيلاب" إمكانيات المرأة دون منحها الامتيازات المقابلة.
هؤلاء يختزلون الحداثة في "جيب المرأة" فقط؛ حيث يرى المدّعي منهم أن دوره ينحصر في الوقوف على باب المنزل ممارساً نوعاً من "البلطجة" تحت شعار "تدفعي ثمن وقتك كله"، معتبراً أن ثمن أمانها أو استمرار العلاقة هو استنزاف مرتبها، في حين أنه يرفض دفع قرش واحد مقابل "إدارة حياته" التي تقوم بها هي بالكامل. إنها حداثة مشوهة تبحث عن "ممول" لا عن "شريك"، وعن "امتيازات الرجل" في العصور الوسطى مضافاً إليها "مرتب المرأة" في العصر الحديث!
فالرجل الذي يطالب بزوجة "مودرن" تشاركه الفواتير، بينما يرفض أن يدفع ثمن الخدمات التي تقدمها له ولأطفاله، هو في الحقيقة لا يبحث عن شريكة، بل عن "ممول عام" لتمويل حياته و"عاملة" لإدارة منزله، دون الالتزام بتبعات أي منهما.
خاتمة
المساواة ليست "قائمة" يختار منها الرجل ما يخدم محفظته. إنها حزمة كاملة من الحقوق والواجبات. قبل أن تتحدث عن "فضل الحداثة" في خروج المرأة للعمل، انظر في مرآة الحقائق لترى كم أنت مدين لهذه المرأة التي لولا تفانيها وصمتها عن المطالبة بأجر عملها المنزلي، لما كنت أنت ما أنت عليه اليوم.
الحداثة وعي واستقامة، وليست وسيلة لـ "بلطجة" اقتصادية مغلفة بشعارات التنوير.