الحقوق الممنوحة للمرأة في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لسنة 2007



زيد نائل العدوان
2026 / 5 / 20

تُعدّ حقوق المرأة في العصر الحديث من أبرز القضايا القانونية والإنسانية التي حظيت باهتمام المجتمع الدولي، وذلك لما تمثله المرأة من ركيزة أساسية في بناء المجتمع وتقدمه؛ إذ لم تعد المرأة مجرد عنصر تابع داخل البنية الاجتماعية، بل أصبحت شريكًا رئيسيًا في التنمية السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، اتجهت الدول والمنظمات الدولية إلى وضع تشريعات واتفاقيات تهدف إلى حماية المرأة وضمان مساواتها بالرجل في مختلف الحقوق والواجبات؛ باعتبار أن تحقيق العدالة والمساواة يُعدّ من أهم مقومات الدولة الحديثة، ومن أبرز هذه الاتفاقيات اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي تُعرف اختصارًا بـ(CEDAW)، والتي انضمت إليها المملكة الأردنية الهاشمية سنة 1992، ثم نشرت في الجريدة الرسمية سنة 2007، فأصبحت جزءًا من المنظومة القانونية الوطنية، وقد هدفت هذه الاتفاقية إلى إزالة جميع صور التمييز التي قد تتعرض لها المرأة، ومنحها حقوقًا متساوية مع الرجل في مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والأسرية.
وقد عرّفت الاتفاقية التمييز ضد المرأة بأنه كل تفرقة أو استبعاد أو تقييد يقوم على أساس الجنس، ويكون من شأنه إضعاف أو إبطال تمتع المرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية على قدم المساواة مع الرجل، فمن خلال هذا التعريف، يتبين أن الاتفاقية لم تقتصر على منع التمييز الظاهر فقط، بل شملت كذلك جميع الممارسات والعادات التي تؤدي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الانتقاص من حقوق المرأة أو الحد من مشاركتها في المجتمع، كما ألزمت الاتفاقية الدول الأطراف باتخاذ التدابير التشريعية والقانونية المناسبة للقضاء على التمييز، والعمل على تعديل القوانين والأعراف الاجتماعية التي تكرّس عدم المساواة بين الجنسين.
ومن أهم الحقوق التي منحتها الاتفاقية للمرأة الأردنية الحقوق السياسية؛ إذ أكدت على حق المرأة في المشاركة الكاملة في الحياة السياسية والعامة، ومنحتها الحق في التصويت في الانتخابات والاستفتاءات العامة، وحق الترشح للمجالس المنتخبة، إضافة إلى حقها في شغل الوظائف العامة والمشاركة في صياغة السياسات الحكومية وتنفيذها، كما كفلت للمرأة حق المشاركة في الجمعيات والمنظمات السياسية والاجتماعية، وحق تمثيل الدولة على المستوى الدولي والمشاركة في أعمال المنظمات الدولية، وتُعد هذه الحقوق من أبرز مظاهر تمكين المرأة وإشراكها في عملية صنع القرار داخل الدولة.
كذلك منحت الاتفاقية المرأة حقوقًا متعلقة بالجنسية، حيث أكدت حق المرأة في اكتساب جنسيتها أو الاحتفاظ بها أو تغييرها دون أن يُفرض عليها تغيير جنسيتها بسبب الزواج، كما أقرت مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بجنسية الأبناء، باعتبار أن الجنسية من الحقوق الأساسية المرتبطة بالهوية القانونية للفرد، إلا أن الأردن أبدى تحفظًا على الفقرة المتعلقة بمنح المرأة جنسيتها لأطفالها، نظرًا لارتباط ذلك بالتشريعات الوطنية الأردنية المتعلقة بالجنسية.
وفي المجال التعليمي، أكدت الاتفاقية حق المرأة في التعليم على أساس المساواة التامة مع الرجل؛ إذ ضمنت لها فرصًا متساوية في الالتحاق بالمؤسسات التعليمية، والحصول على المناهج والدرجات العلمية ذاتها، والاستفادة من المنح الدراسية وبرامج التعليم المستمر، كما دعت إلى إزالة الصور النمطية المتعلقة بدور المرأة في المناهج الدراسية، وتشجيع التعليم المختلط، وخفض معدلات التسرب المدرسي بين الفتيات، ويُظهر ذلك إدراك الاتفاقية لأهمية التعليم في تمكين المرأة وتعزيز دورها في المجتمع.
أما في ميدان العمل، فقد منحت الاتفاقية المرأة حقوقًا واسعة تهدف إلى تحقيق المساواة المهنية بينها وبين الرجل، فقد أقرت حق المرأة في العمل وحرية اختيار المهنة، وحقها في الحصول على فرص توظيف متساوية، والمساواة في الأجور والمعاملة الوظيفية، والحق في الضمان الاجتماعي والإجازات المدفوعة، كما أكدت الاتفاقية ضرورة حماية المرأة العاملة من الفصل التعسفي بسبب الحمل أو الأمومة، وإلزام الدول بتوفير إجازات أمومة مدفوعة الأجر وخدمات اجتماعية تساعد المرأة على التوفيق بين مسؤوليات الأسرة والعمل، وتُعد هذه الأحكام من أهم الضمانات القانونية التي تهدف إلى حماية المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا.
وفي المجال الصحي، نصت الاتفاقية على حق المرأة في الحصول على الرعاية الصحية المناسبة دون تمييز، بما في ذلك الخدمات المتعلقة بالحمل والولادة وتنظيم الأسرة، إضافة إلى توفير التغذية والرعاية الصحية اللازمة خلال فترات الحمل والرضاعة، كما اهتمت الاتفاقية بحقوق المرأة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى، مثل حقها في الحصول على القروض والتسهيلات المالية، والمشاركة في الأنشطة الثقافية والرياضية، والاستفادة من برامج الضمان الاجتماعي.
ولم تغفل الاتفاقية المرأة التي تسكن في المناطق البعيدة، بل خصصت لها أحكامًا خاصة تراعي طبيعة الظروف التي تعيشها، حيث منحتها حق المشاركة في التنمية الريفية، والحصول على التعليم والرعاية الصحية والتدريب المهني، والاستفادة من القروض الزراعية والخدمات الاجتماعية المختلفة، كما أكدت حق المرأة الريفية في التمتع بظروف معيشية مناسبة تشمل السكن والمياه والكهرباء ووسائل النقل والاتصالات؛ وذلك بهدف الحد من الفجوة التنموية بين المرأة في المدن والمرأة في الأرياف.
وفي الجانب القانوني والأسري، قررت الاتفاقية مبدأ المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة أمام القانون، ومنحت المرأة أهلية قانونية مماثلة للرجل في إبرام العقود وإدارة الممتلكات والتقاضي أمام المحاكم، كما أقرت للمرأة حقوقًا متساوية في الزواج والعلاقات الأسرية، مثل حرية اختيار الزوج، وحقها في عدم الزواج إلا برضاها الكامل، والمساواة في الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه، إضافة إلى حقوقها المتعلقة بالأطفال والملكية والإرث وإدارة شؤون الأسرة، غير أن الأردن أبدى بعض التحفظات على بعض الفقرات المتعلقة بالعلاقات الأسرية، نظرًا لارتباطها بأحكام الشريعة الإسلامية وقانون الأحوال الشخصية الأردني.
وفي الختام، يمكن القول إن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة شكّلت خطوة قانونية دولية مهمة نحو تعزيز مكانة المرأة وضمان حقوقها الأساسية في مختلف مجالات الحياة، وقد أسهم انضمام الأردن إلى هذه الاتفاقية في تعزيز الحماية القانونية للمرأة الأردنية ودعم مشاركتها في التنمية الوطنية، إلا أن التطبيق الفعلي لمبادئ الاتفاقية لا يزال يتطلب مزيدًا من الجهود التشريعية والقانونية؛ وذلك من خلال سن قوانين وطنية تتوافق مع أحكام الاتفاقية وتعمل على إزالة جميع أشكال التمييز ضد المرأة بصورة عملية وفعالة، ولذلك، فإن من الضروري أن تعمل الدولة الأردنية على تطوير تشريعاتها الوطنية بما يضمن التطبيق الكامل لهذه الاتفاقية، تحقيقًا لمبادئ العدالة والمساواة وصونًا لكرامة المرأة وحقوقها في المجتمع الأردني الحديث.