|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

نادية محمود
!--a>
2026 / 5 / 29
كلما ارتفع صوت المنظمات النسوية مطالباً بالعدالة، ارتفعت بالمقابل حملات التخوين والكراهية ضدها. والسؤال هنا: لماذا تُهاجم هذه المنظمات بهذا العنف؟ ولماذا يخاف البعض من وجودها وتأثيرها؟ الجواب بسيط ومؤلم في الوقت نفسه: لأن المنظمات النسوية تكشف الظلم الواقع على أكثر من نصف المجتمع، وعلى الجزء الأضعف فيه، أي النساء و الأطفال. إنها تكشف ما يحاول كثيرون تسويقه باعتباره"شأناً عائلياً"، أو "شرعاً دينياً"، بينما هو في الحقيقة عنف وانتهاك وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية.
المنظمات النسوية لا تطالب بشيء خارق أو مستحيل. هي تطالب بأيقاف العنف ضد النساء، إيقاف القتل، إيقاف الاغتصاب والقتل بعد الاغتصاب، بأن يُعاقب المجرم، وأن يُحاكم المغتصب والقاتل وفق قانون عادل، لا وفق أعراف عشائرية أو صفقات اجتماعية. ألم ينص الدستور في مادته 19 – الفقرة 2 على أن "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. ولا عقوبة إلا على الفعل الذي يعده القانون وقت اقترافه جريمة"؟ فما الجديد الذي تطالب به المنظمات؟ تطالب بأن تُعامل المرأة كإنسان كامل الحقوق، لا ككائن يمكن التضحية به حفاظاً على "السمعة" أو "الشرف". تطالب بتحقيق العدالة، كي لا تتحول حياة النساء إلى مسلسل من الخوف الدائم، ومن القلق المستمر.
لم تقم ولم تأتي منظمات المجتمع المدني بشيء جديد بدفاعها عن حقوق المرأة وعن حقوق الانسان. بمراجعة سريعة للدستور نفسه، والذي يفترض ان يكون مرجعا للدولة والمجتمع تؤكد المادة 45 على "حرص الدولة على تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني، ودعمها وتطويرها واستقلاليتها، بما ينسجم مع الوسائل السلمية لتحقيق الاهداف المشروعة لها". فلماذا هذا الغضب على ما تقوم به المنظمات من اعمال وباشكال سلمية ولتحقيق اهداف الامان والعدالة والتي هي " اهدافا مشروعة" ان لم يكن وراء الاكمة ماوراءها.
كذلك تضمن المادة (٢٠) للمواطنين رجالاً ونساءً " حق المشاركة في الشؤون العامة." اليس الانخراط في منظمات المجتمع المدني هو " شأنا عاما"؟ فلماذا هذا الرفض لدور المنظمات، ووصمها بانها تريد " تدمير الاسرة" ان لم يكن الابقاء على الحالة الراهنة من الهيمنة الذكورية للرجال على النساء لحد تقليص حقوق النساء يوما بعد يوم الى ان يصلوا الى حد السلب التام لهذه الحقوق؟ الان بدأت ترتفع الاصوات على " عدم ضرورة عمل النساء، حيث ان الرجل يوفر معيشة العائلة" و" الرجال الذي يعملون جنبا الى جنب مع بناتهم او زوجاتهم في الاماكن العامة..انما يظهرون مفاتنهن ويجب معاقبتهن ومعاقتبهم"... إن الهجمة تزداد بربرية وسحقا لحقوق البشر يوما بعد يوم، ثم يحاسبوا لماذا تقوم المنظمات النسوية بالدفاع عن النساء؟
ما تقوم به المنظمات النسوية هو الدفاع عن العدالة والمساواة، الامر الذي ينص عليه الدستور في المادة (١٤) من قانون الحريات والحقوق " بأن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الاصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي؟ أو الوضع الاقتصادي أو الإجتماعي. تقف المنظمات النسوية ضد القتل: ألم ينص الدستور في المادة (١٥) على ان "لكل فرٍد الحق في الحياة والأمن والحرية". فما هو الجديد والخارق للعادة الذي جاءت به منظمات المجتمع المدني ما لم يقر به الدستور ابتداءا قبل ربع قرن؟
مع كل العمل الدستوري الذي تقوم به المنظمات، الا انه ما أن تدافع المنظمات النسوية وتعبر عن صوت الطفلات والمراهقات اللواتي قُتِلَن وعُنِفنَ، والامهات اللواتي سحب اطفالهن منهن بدون قانون عادل، حتى تنبري مختلف الالسن، وبعبارات لا تعكس الا "ثقافة واخلاق" الناطقين بها. شتائم، واتهامات، وطعن بالاخلاق..و..و.. انه التيار اليميني المعادي للمرأة ولحقوق النساء والذي يستجير الان بحكومة علي الزيدي ان يضع حداَ لها؟!!
المنظمات النسوية دافعت عن الأمن والأمان للنساء والاطفال. لم تقتل المنظمات النسوية أحداً. لم تحمل سلاحاً ضد أحد، لم تذبح فتاة، لم تغتصب طفلات، لم تقتل، ولم ترتكب ما يسمى "جرائم الشرف". لم تهدد او تتوعد احدا، هي طالبت بشيء واحد لاغير: الأمان!
الذي قتل النساء هو العنف المنصوص عليه قانونا ويمارس ويبرر كعرف اجتماعي. الذي يقتل النساء هو غياب القانون أو تعطيله، هوالإفلات المستمر من العقاب. الذين يقتلون النساء معروفون: آباء، إخوة، أعمام، أزواج، ومجرمون يجدون دائماً من يبرر لهم أو يصمت عنهم.
لا "تهدم" المنظمات النسوية الاسرة! الأسرة التي تُجبر أطفالها على الزواج، وتقتلهم إن رفضوا، هي أسرة مُدَمَرّة أساسا. الأسرة التي يغتصب فيها الأب ابنته ويفاوضها على ان يكون الطفل من صلبه( كما تظهر قصة فتاة صلاح الدين) هي أسرة مدمرة، الاب الذي يقتل طفلته برميها من الطابق السابع،او يربطها تحت لهيب الشمس حتى تموت، هي أسرٌ مدمَّرة وتحتاج إلى تدخل حقيقي إنقاذا لضعفائها: للفتيات، وللأطفال، وللنساء. كي لا يفلت مغتصب ولا يفلت قاتل.
لم تدمر المنظمات النسوية الأسرة، بل دمرها غياب القانون واستمرار الإفلات من العقاب. فحين يُدان رجل باغتصاب ابنته والتسبب بحملها، ثم يُطلق سراحه بحجة "عدم كفاية الأدلة"، انما يعني تدمير الاسرة وبالقانون وبقرار قضائي!
حين ترفض النساء العنف الاسري، ينبري احدهم بالقول " انه العهر الاسري". هكذا يصفون الامان الذي نريد، واللاعنف الذي نريد. يصفون مطالبنا بالأمان على انها " تدمير" وانها "عهر"! بل ويهددون" سيكون لنا موقف مع الذين يسعون الى تدمير الاسرة العراقية"!!!
لم يهددوا: بأن القاتل يجب ان يحاكم، ولم يهددوا بأن المغتصب يجب ان يعاقب، ولم يتعهدوا بأن الاطفال يجب ان تتم حمايتهم! لا..يهددون من يدافع عن سلامة الفتيات والنساء والاطفال.
انهم فعلا يريدونه عالما مقلوبا على رأسه!
ما يحدث اليوم ليس دفاعاً عن القيم، بل دفاعا عن بنية تبرر العنف وتمنح المجرم فرص النجاة، بينما تترك الضحية وحدها تواجه مصيرها. لهذا تُهاجم المنظمات النسوية: لأنها تقول بصوت عالٍ إن النساء بشر، وإن الأطفال ليسو أدوات للانتقام أو الهيمنة، وإن العدالة يجب أن تشمل الجميع.
في النهاية، يبقى السؤال الأخلاقي واضحاً: هل نقف مع الضحايا، أم مع الذين يبررون الجرائم ضدهم؟
المنظمات النسوية اختارت الوقوف مع الضحايا. أما البقية، فعليهم أن يحددوا موقفهم بوضوح.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|