من القبطيات في مصر إلى الإيزيديات في العراق: المرأة بين الاختفاء و الإكراه - مقال رأي



عمار صالح عباس
2026 / 5 / 30

ليست قضية اختفاء القبطيات في مصر مسألة عائلية عابرة، و لا ينبغي التعامل معها كحكاية دينية مغلقة بين أسرة و فتاة و رجل من دين آخر. هي في جوهرها اختبار لقدرة الدولة على حماية الفرد عندما تتداخل ثلاثة عناصر شديدة الحساسية: المرأة، و الدين، و القانون. و في مثل هذه القضايا، لا تكفي الرواية الرسمية وحدها، و لا تكفي أيضاً رواية الأسرة وحدها، لأن الحقيقة غالباً ما تضيع بين الخوف الاجتماعي، و الضغط العائلي، و ضعف التحقيق، و حساسية الحديث عن التحول الديني في مجتمع لا يزال يرى هوية الإنسان الدينية جزءاً من شرف الجماعة لا من حرية الفرد.
في مصر، تطرح منظمات قبطية و حقوقية منذ سنوات ملف اختفاء فتيات و نساء قبطيات، ثم ظهور بعضهن لاحقاً في سياق زواج أو إعلان تحول ديني. و بحسب تقرير الحرية الدينية الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2023، فقد تحدثت منظمات مدنية و قبطية عن ثماني حالات على الأقل خلال ذلك العام لادعاءات اختطاف و تحويل قسري لنساء و فتيات قبطيات. هذا الرقم قد يبدو صغيراً إذا عومل كإحصاء جنائي مجرد، لكنه يصبح مهماً عندما يوضع في سياقه الاجتماعي؛ فكل حالة من هذا النوع تتحول سريعاً إلى أزمة ثقة بين أقلية دينية و مؤسسات الدولة، و بين الأسرة و القانون، و بين مفهوم الحرية الشخصية و مفهوم الحماية من الإكراه.
المشكلة هنا ليست في وجود زواج مختلط أو تغيير دين بحد ذاته. في أي دولة مدنية، يفترض أن يكون الإنسان البالغ حراً في الزواج و الاعتقاد و تغيير قناعاته. المشكلة تبدأ عندما لا توجد آلية محايدة و شفافة للتأكد من أن القرار تم بإرادة حرة، و بلا ضغط، و بلا استدراج، و بلا استغلال للعمر أو الوضع النفسي أو الفقر أو الخوف من الأسرة. فإذا كانت الفتاة قاصراً، فالموضوع لا يعود حرية شخصية أصلاً، بل يصبح قضية حماية قانونية. و إذا كانت بالغة، فالمطلوب ليس إعادة الفرد إلى أسرته بالقوة، بل التأكد من أن قراره لم يصنع داخل بيئة إكراه أو تهديد أو عزلة.
عند المقارنة مع العراق، لا نجد نسخة مطابقة من القضية المصرية. لا توجد في العراق، على الأقل في الخطاب العام و التقارير الحقوقية، قضية واسعة تحمل عنوان “اختطاف المسيحيات” بالطريقة نفسها التي تطرح بها قضية القبطيات في مصر. لكن هذا لا يعني أن العراق أكثر سلامة. العكس قد يكون صحيحاً في بعض الجوانب. فالعراق شهد حالة أكثر قسوة و وضوحاً في ملف الإيزيديات بعد سيطرة التنظيم الإرهابي على مناطق واسعة من البلاد عام 2014. لم تكن المسألة هناك اختفاء ملتبساً أو زواجاً متنازعاً عليه، بل خطفاً منظماً، و سبيا، و اغتصاباً، و استعباداً جنسياً، و محاولة لتدمير جماعة دينية بكاملها. و بحسب تقارير صحفية و حقوقية حديثة، لا يزال نحو 2600 إيزيدي مفقودين أو غير معروفي المصير حتى بعد مرور سنوات على هزيمة التنظيم عسكرياً.
هذا الفرق مهم جداً. في مصر نحن أمام منطقة رمادية: اختفاء، ادعاء إكراه، إعلان زواج أو تحول ديني، ثم تضارب في الروايات. أما في العراق، و خصوصاً في الحالة الإيزيدية، فنحن أمام جريمة موثقة ذات طابع إبادي. لكن القاسم المشترك بين الحالتين هو أن المرأة تصبح الحلقة الأضعف عندما تتراجع الدولة أو تتردد في فرض القانون. في الحالتين أيضاً، لا تكون المرأة فرداً مستقلاً في نظر الأطراف المتصارعة، بل تتحول إلى رمز: رمز لانتصار ديني عند طرف، و رمز لفقدان جماعي عند طرف آخر. و هذه هي الكارثة الأخلاقية الحقيقية؛ أن تختفي المرأة بوصفها إنساناً و تظهر بوصفها قضية هوية.
هناك زاوية عراقية أخرى لا تقل أهمية، و هي الزواج غير المسجل و زواج القاصرات. فقد وثقت Human Rights Watch أن المحاكم العراقية شرّعت بين كانون الثاني و تشرين الأول 2023 أكثر من 37 ألف زواج أُبرم خارج المحكمة، مقابل أكثر من 211 ألف زواج مدني. هذا الرقم لا يعني أن كل زواج خارج المحكمة هو زواج قسري، لكنه يكشف عن مساحة واسعة تتحرك خارج رقابة الدولة. و عندما تكون الفتاة صغيرة السن، أو فقيرة، أو من بيئة نازحة، أو من أقلية دينية، فإن هذه المساحة تصبح خطرة للغاية. القانون هنا لا يحمي بما يكفي، و المجتمع غالباً يبرر، و الضحية تدفع الثمن.
برأيي المتواضع، فإن المقارنة بين مصر و العراق تكشف عن مشكلة أعمق من سؤال: هل توجد حالات اختطاف أم لا؟ السؤال الحقيقي هو: هل تملك الدولة آلية عادلة و محايدة لحماية النساء عندما يتداخل الدين مع الزواج و السلطة الاجتماعية؟ في مصر، المطلوب تحقيق مستقل في كل حالة اختفاء، و حماية خاصة للقاصرات، و عدم تحويل التحول الديني إلى مادة للتعبئة الطائفية. و في العراق، المطلوب إنهاء ملف المفقودين الإيزيديين بجدية أكبر، و تجريم أي زواج خارج المحكمة عندما يمس القاصرات، و منع استخدام الدين أو العرف كغطاء للضغط على النساء.
في النهاية اقول: ليست كرامة المرأة شأناً طائفياً، و ليست حماية الأقليات ترفاً سياسياً. الدولة التي لا تستطيع حماية امرأة عند لحظة اختفاء أو زواج قسري أو تحول ديني ملتبس، لن تستطيع لاحقاً أن تقنع مواطنيها بأنها دولة قانون. و لذلك، فإن قضية القبطيات في مصر و مأساة الإيزيديات في العراق، رغم اختلاف السياق، تقولان الشيء نفسه تقريباً: حين تتصاعد صراعات الهوية و السلطة، تصبح حريات النساء من أكثر المساحات عرضة للضغط و الانتهاك.