|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

نادية محمود
!--a>
2026 / 6 / 1
"حين يسمى التفوق فضيلة"
ثمة شيء مقلق في الإنسان حين يجد لذة في الشعور بالتفوق على من يشاركه الحياة. ليس التفوق الناتج عن اجتهاد أو معرفة أو خلق، بل التفوق بوصفه امتيازاً ممنوحاً سلفاً، لا يحتاج إلى استحقاق ولا إلى برهان. أن يولد المرء مقتنعاً بأن له من الحقوق أكثر مما لغيره، وأن رغباته أولى بالاعتبار، وأن صوته أعلى قيمة، لمجرد انتمائه إلى جنس معين، فهذه ليست حقيقة أخلاقية، بل صورة من صور القوة وهي تبحث عن تبرير .
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: هل يستطيع الإنسان أن يفرض سلطته؟ فالتاريخ كله يجيب بنعم. السؤال الأهم هو: لماذا يرغب في ذلك أصلاً؟ ما الذي يدفع إنساناً إلى الشعور بالرضا وهو يقول لشريكته في الحياة: عليكِ أن تطيعي، وعليكِ أن تتبعي، وعليكِ أن ترضي، لأنني أملك من الحقوق ما لا تملكين؟ أي شعور بالكرامة يُبنى على انحناء شخص آخر؟ وأي قيمة أخلاقية يمكن أن تستمد وجودها من حرمان إنسان من المساواة؟
إن الحاجة إلى السيادة على الآخرين ليست علامة قوة بقدر ما هي اعتراف ضمني بالخوف. فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى تراتبية مصطنعة تحمي مكانته، ولا إلى قوانين أو أعراف تُشعره كل يوم بأنه أعلى درجة من غيره. وحده القلق من المساواة هو الذي يدفع صاحبه إلى البحث الدائم عن مبررات للتفوق.
ولعل أكثر ما يكشف هشاشة هذا المنطق أنه لا يكتفي بمنح الامتيازات، بل يسعى إلى إضفاء القداسة عليها. فلا يعود التفوق مجرد عادة اجتماعية، بل يصبح واجباً أخلاقياً، ولا يعود الخضوع ظلماً، بل فضيلة. وهنا تبلغ المأساة ذروتها: حين يتحول ما كان ينبغي أن يكون موضع مساءلة إلى حقيقة لا يجوز الاقتراب منها.
ما معنى أن يعيش رجل وامرأة عقوداً طويلة يبنيان بيتاً وحياة وذكريات، ثم يبقى أحدهما مالكاً لكل شيء بينما يُعامل الآخر كضيف مؤقت؟ ما معنى أن يُختزل شريك العمر إلى شخص يمكن الاستغناء عنه دون أن يكون له نصيب عادل مما ساهم في صنعه؟ إن الفكرة نفسها تكشف نظرة ترى الإنسان وسيلة لا غاية، تابعاً لا شريكاً.
لقد تفاخر البشر عبر تاريخهم بأشياء كثيرة: بالعلم، وبالفن، وبالرحمة، وبالعدالة، وبقدرتهم على تجاوز غرائز الهيمنة. لم تتقدم الإنسانية لأنها أتقنت إخضاع الضعفاء، بل لأنها تعلمت، ببطء وألم، أن كرامة الإنسان لا تتجزأ. وأن الحق الذي أطالب به لنفسي يجب أن أستطيع الاعتراف به لغيري.
لهذا يبدو غريباً أن يستمر بعض الناس في الاحتفاء بعلاقات تقوم على الامتياز والخضوع، ثم يصفونها بأنها نظام أخلاقي مثالي. فالأخلاق لا تبدأ حين أجد المبررات لسلطتي على الآخر، بل حين أعترف بإنسانيته الكاملة. ولا تظهر عظمة الإنسان في قدرته على أن يكون سيداً، بل في قدرته على ألا يحتاج إلى عبيد.
إن كل ثقافة تجعل أحد الطرفين أعلى قيمة من الآخر لا تنتج شراكة، بل تنتج علاقة قوة. وكل علاقة قوة، مهما أُحيطت بالشعارات والمبررات، تبقى بعيدة عن المعنى الأعمق للإنسانية: أن ننظر إلى الآخر لا بوصفه تابعاً لنا، بل بوصفه إنساناً مساوياً لنا في الكرامة والحق والحرية.
من الشراكة الى الهيمنة: كيف يعاد إنتاج اللامساواة داخل الأسرة؟
لا تكمن المشكلة الأساسية في أن بعض المجتمعات تمنح الرجال حقوقاً أوسع من النساء داخل الأسرة، بل في الطريقة التي تُقدَّم بها هذه اللامساواة بوصفها أمراً طبيعياً وعادلاً، بل وأخلاقياً. فحين تتحول العلاقة بين الرجل والمرأة من علاقة شراكة إلى علاقة تراتبية، يصبح السؤال عن العدالة سؤالاً محرِجاً، ويُنظر إلى المطالبة بالمساواة على أنها تمرد على نظام يفترض أنه مشروع في ذاته.
إن فكرة "القوامة" أو "الطاعة" أو الامتيازات القانونية غير المتكافئة لا تقتصر آثارها على توزيع السلطة داخل الأسرة، بل تنتج تصوراً كاملاً عن الإنسان. فهي تفترض مسبقاً أن أحد الطرفين أحق بالقرار، وأوسع سلطة، وأكبر نصيباً من الحقوق، بينما يُطلب من الطرف الآخر الامتثال والتكيف مع هذا الوضع. وبذلك لا تعود العلاقة قائمة على التفاوض والتوافق المتبادل، وإنما على موقعين غير متساويين: صاحب سلطة وصاحب التزام.
المفارقة أن المدافعين عن هذه البنية الاجتماعية كثيراً ما يصفونها بأنها تحقق الاستقرار. لكن الاستقرار ليس قيمة أخلاقية بحد ذاتها. فالتاريخ عرف أشكالاً كثيرة من الاستقرار قامت على التمييز وعدم المساواة. كالنظم الشمولية .
والسؤال الحقيقي ليس: هل يؤدي هذا النظام إلى الاستقرار؟ بل: هل يقوم على العدالة والاحترام المتبادل؟
من الناحية الإنسانية، يصعب تبرير فكرة أن يكون لأحد الشريكين حق الطاعة من الآخر. فالعلاقات الإنسانية الناضجة لا تُبنى على الامتثال، بل على الاعتراف المتبادل بالاستقلال والكرامة. وكلما اقتربت العلاقة من نموذج السيد والتابع، ابتعدت عن نموذج الشراكة الذي يفترض أن يكون أساس الحياة المشتركة.
ويظهر التناقض بصورة أوضح عند النظر إلى النتائج العملية لهذه التصورات. فالمرأة قد تشارك في بناء الأسرة لعقود طويلة، تسهم في العمل الرعائي والمنزلي، وفي التربية، وفي الاستقرار النفسي والاجتماعي للعائلة، ثم تجد نفسها عند الانفصال- وتحديدا عند بلوغها مرحلة توقف الحيض- في موقع اقتصادي وقانوني أضعف بكثير من موقع الرجل. هنا لا يعود الحديث عن "واجبات وحقوق" مجرد نقاش نظري، بل يصبح سؤالاً عن القيمة التي يمنحها المجتمع لجهد الإنسان وحياته ومساهمته إذا كان إمرأة ؟.
إن أخطر ما في أنظمة اللامساواة ليس أنها تمنح الامتيازات لبعض الأفراد، بل أنها تجعل تلك الامتيازات غير مرئية. فبدلاً من أن يُنظر إليها كامتيازات قابلة للنقد، تُقدَّم بوصفها جزءاً من النظام الطبيعي للأشياء. وعندما يحدث ذلك، لا يصبح الدفاع عن المساواة مجرد خلاف سياسي أو قانوني، بل محاولة لإعادة تعريف الإنسان نفسه بوصفه كائناً يمتلك الكرامة والحقوق بغض النظر عن جنسه.
ولهذا فإن النقاش حول العلاقة بين الرجل والمرأة ليس نقاشاً حول السلطة داخل الأسرة فقط، بل حول الفكرة التي يحملها المجتمع عن العدالة. هل العدالة هي إعطاء كل طرف موقعاً مختلفاً وحقوقاً مختلفة لأنه وُلد رجلاً أو امرأة؟ أم أنها الاعتراف بأن الكرامة الإنسانية لا تعرف تدرجاً، وأن الشراكة الحقيقية لا يمكن أن تقوم إلا بين متساويين في القيمة الإنسانية والحقوق الأساسية؟
في نهاية المطاف، لا تُقاس إنسانية المجتمعات بقدرتها على تنظيم علاقات الهيمنة، بل بقدرتها على تقليصها. ولا يكون الإنسان أكثر نبلاً حين يمتلك سلطة أكبر على غيره، بل حين يعترف بأن الآخر لا يحتاج إلى أن يكون تابعاً له كي تكون لحياته معنى أو قيمة.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|