|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
رحال بن الصويرة
!--a>
2026 / 6 / 5
تقديم
عندما نتحدث عن جورج زيمل في علاقته بمسألة المرأة والجنسانية والحب، فإننا لا نتحدث عن كاتب عرضي تناول «النساء» بوصفهن موضوعاً جزئياً داخل اهتماماته، بل عن مفكر جعل من علاقة الحياة بالأشكال أحد المداخل الكبرى لفهم الحداثة، ومن ثم فإن حضور المرأة في نصوصه لا ينفصل عن سؤاله المركزي حول الثقافة، والموضوعية، وتقسيم العمل، وتراجيديا الإنسان الحديث أمام عالم من المنتجات والأشكال التي صنعها ثم صارت تتجاوزه. فالمسألة عند زيمل لا تتعلق، في عمقها، ببحث سيكولوجي في «طبيعة المرأة»، رغم أن لغته تحتفظ أحياناً بمفردات جوهرانية تميز زمنه، ولا بمجرد دفاع أو نقد للحركات النسوية بالمعنى السياسي المباشر، وإنما تتحدد أساساً في سؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن لنمط معين من الوجود، هو الوجود الأنثوي كما يتصوره زيمل، أن يتحول إلى ثقافة موضوعية؟ وهل تستطيع المرأة أن تجد في عالم الأشكال الثقافية القائمة تعبيراً مطابقاً لحياتها، أم إن هذه الأشكال نفسها قد بنيت تاريخياً وموضوعياً وفق منطق ذكوري يجعلها غريبة عن نمط وجودها؟
تنبع أهمية هذه الإشكالية من كونها تضعنا أمام المفصل الأكثر حساسية في تفكير زيمل: علاقة الحياة بالشكل. فالحياة، عنده، لا تتحقق في عريها المباشر، ولا تبقى طاقة سائلة بلا حدود، بل تحتاج دائماً إلى أشكال تتجسد فيها، وتنتظم داخلها، وتصبح عبرها قابلة للتداول والمعرفة والاعتراف. غير أن هذه الأشكال، بمجرد أن تستقل عن الحياة التي أنتجتها، تميل إلى التحول إلى قوى قائمة بذاتها، تفرض منطقها الخاص على الأفراد، وتعيد تشكيلهم وفق شروط لم يعودوا قادرين على التحكم فيها. هنا تنشأ تراجيديا الثقافة: الإنسان ينتج الثقافة لكي يحقق ذاته، ثم يجد نفسه أمام ثقافة موضوعية تتضخم وتستقل وتصبح عاجزة عن العودة إلى الثقافة الذاتية للفرد في صورة إغناء متوازن لشخصيته.
من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة نصوص زيمل حول النساء والجنسانية والحب قراءة منفصلة عن نظريته في الثقافة الحديثة. فالمغازلة ليست مجرد سلوك عاطفي أو لعبة إغرائية، بل شكل اجتماعي دقيق يقوم على التناوب بين المنح والمنع، بين الاقتراب والانسحاب، بين الوعد ونفي الوعد. والحب ليس مجرد انفعال نفسي أو حاجة بيولوجية، بل تجربة تنفصل تدريجياً عن وظيفتها الإنجابية لتصبح غاية قائمة بذاتها. أما المرأة، في نظر زيمل، فهي ليست موضوعاً بيولوجياً فقط، وإنما موقع نظري يكشف حدود الثقافة الموضوعية الحديثة، ويجعلنا نرى كيف أن ما يقدم نفسه باعتباره «ثقافة عامة» قد يكون، في عمقه، موضعة تاريخية للروح الذكورية، أي تعبيراً عن نمط محدد من الحياة جرى تعميمه حتى بدا كأنه الشكل الوحيد الممكن للموضوعية.
لكن قوة تحليل زيمل لا تعفيه من النقد. فهو، من جهة، يفتح إمكاناً نظرياً مهماً لتفكيك الطابع الذكوري للثقافة الموضوعية، ويبين أن الحياد الثقافي قد يكون حياداً زائفاً يخفي تاريخاً من الإقصاء والتشكيل الذكوري للأشكال. ومن جهة أخرى، يظل أسيراً لتصورات ماهوية حول الأنوثة، إذ يميل إلى الحديث عن «طبيعة أنثوية» موحدة، منسجمة، مباشرة، شخصية، ومقاومة للتخصص، في مقابل «طبيعة ذكورية» أكثر قابلية للانفصال والتجريد وتقسيم العمل. ومن ثم فإن قراءة زيمل اليوم ينبغي أن تكون قراءة مزدوجة: تستخرج من نصه طاقته التفكيكية في نقد الثقافة الذكورية، لكنها في الوقت ذاته تكشف حدوده حين يحول الفروق التاريخية والاجتماعية إلى خصائص شبه ثابتة في الرجل والمرأة.
الموضعة والثقافة
ينطلق زيمل من فكرة دقيقة مفادها أن الموضوعية ليست مجرد خاصية معرفية، بل هي خاصية إنسانية عميقة. فالإنسان، بخلاف الكائن الذي يظل أسير حاجاته المباشرة، قادر على أن يجعل من ذاته موضوعاً، وأن يتعامل مع العالم لا فقط انطلاقاً من رغباته، بل انطلاقاً من منطق الأشياء ذاتها. بهذا المعنى، تمثل الموضوعية انتقالاً من الانغلاق داخل الذات إلى القدرة على إنتاج عالم مستقل عنها: قانون، علم، فن، دين، أخلاق، اقتصاد، مؤسسات، رموز، أشكال تواصل، ومجمل ما يسميه زيمل الثقافة الموضوعية.
غير أن هذه الموضوعية تحمل منذ البداية توتراً داخلياً. فهي، من جهة، شرط لتحقق الإنسان؛ ومن جهة ثانية، مصدر اغترابه. فالحياة لا تستطيع أن تصير ثقافة إلا إذا خرجت من ذاتها وتجسدت في شكل. لكن الشكل، بمجرد أن يستقر ويكتسب انتظاماً داخلياً، لا يعود مجرد امتداد شفاف للحياة، بل يصبح بنية لها منطقها الخاص، قادرة على أن تستمر وتتوسع وتنتج مطالبها المستقلة. هكذا يتكون التوتر بين الحياة والشكل: الحياة تحتاج إلى الشكل، لكنها لا تستطيع أن تتطابق معه نهائياً؛ والشكل يصدر عن الحياة، لكنه يميل إلى الانفصال عنها.
تتضح هذه الفكرة أكثر من خلال التمييز بين الثقافة الذاتية والثقافة الموضوعية. فالثقافة الذاتية هي ما يستوعبه الفرد داخل شخصيته من معارف وقيم وذوق وخبرات وقدرات، أي ذلك التكوين الداخلي الذي يجعل منه كائناً مثقفاً. أما الثقافة الموضوعية فهي عالم المنتجات المستقلة عن الأفراد: الكتب، النظريات، المؤسسات، الأعمال الفنية، القوانين، التقنيات، أنماط التنظيم، وسائل التبادل، والرموز المتراكمة تاريخياً. في الثقافة البسيطة، يمكن أن تكون المسافة بين هذين المستويين محدودة نسبياً؛ فالفرد يستطيع أن يستوعب قسماً كبيراً من العالم الثقافي المحيط به. أما في الحداثة، فإن الثقافة الموضوعية تتضخم بوتيرة تجعل الثقافة الذاتية عاجزة عن اللحاق بها.
هذا التضخم لا يعني فقط كثرة المعارف والأشياء، بل يعني تغيراً نوعياً في العلاقة بين الإنسان ومنتجاته. فالإنسان الحديث يعيش داخل عالم ثقافي أنتجه البشر، لكنه أصبح أكبر من قدرة أي فرد على الامتلاك والاستيعاب. العالم العلمي، مثلاً، لم يعد قابلاً لأن يحيط به عالم واحد؛ والاقتصاد النقدي لم يعد مجرد وسيلة للتبادل، بل صار منظومة تحدد قيمة الأشياء والأشخاص؛ وتقسيم العمل لم يعد مجرد توزيع تقني للمهام، بل أصبح مبدأ لإعادة تشكيل الشخصية ذاتها. هنا تظهر تراجيديا الثقافة عند زيمل في صورة واضحة: كلما اغتنت الثقافة الموضوعية، ازداد احتمال افتقار الثقافة الذاتية؛ وكلما تراكمت المنتجات، تقلصت قدرة الفرد على تحويلها إلى تكوين داخلي متجانس.
ليست الموضعة، إذن، مفهوماً بسيطاً يدل على خروج الذات إلى العالم، بل هي سيرورة مركبة يتداخل فيها الإبداع والاغتراب. فحين ينتج الإنسان شكلاً ثقافياً، فإنه يحرر طاقة من حياته ويمنحها وجوداً موضوعياً. لكن هذا الوجود الموضوعي قد يعود إليه في صورة قوة خارجة عنه. ومن هنا نفهم لماذا لا يقرأ زيمل الحداثة باعتبارها تقدماً خطياً، ولا باعتبارها انحطاطاً بسيطاً، بل باعتبارها وضعاً مفارقاً: إنها توسع غير مسبوق في إمكانات الحياة، وفي الوقت نفسه تضييق متزايد على وحدة الشخصية الفردية.
التشيؤ والأداتية
تتخذ الموضعة في الثقافة الحديثة شكلين أساسيين: التشيؤ والأداتية. ويقصد بالتشيؤ تحول الأشكال الثقافية إلى كيانات مستقلة، شبه مغلقة، تتطور وفق منطقها الداخلي، بحيث تصبح بعيدة عن الحياة التي أنتجتها. فالعلم، مثلاً، يبدأ بوصفه محاولة إنسانية لفهم العالم، لكنه يتحول بالتدريج إلى جهاز تخصصي هائل، تحكمه قواعد ومناهج ومؤسسات ومجلات ولغات دقيقة، إلى حد يصبح فيه العالم الفرد غريباً حتى داخل مجاله الخاص. لم يعد السؤال هو هل ينتج العلم معرفة، بل كيف تتحول المعرفة إلى عالم مستقل يفرض منطقه على منتجيه أنفسهم.
ولا يقتصر التشيؤ على العلم. فهو يطال القانون، والاقتصاد، والفن، والدين، والإدارة، وسائر الأشكال التي تنتجها الحياة الاجتماعية. كل شكل يبدأ بوصفه جواباً عن حاجة أو طاقة أو قيمة، لكنه قد يتحول إلى بنية مستقلة، لا تقاس قيمتها بقدرتها على إغناء الحياة، بل بقدرتها على الاستمرار وفق قواعدها الخاصة. هنا يصبح الإنسان خادماً للأشكال التي صنعها. وهذا ما يجعل مفهوم التشيؤ عند زيمل قريباً من بعض تحليلات ماركس حول الاغتراب وفتشية السلعة، مع فارق أساسي: ماركس يركز على علاقات الإنتاج الرأسمالية، بينما يوسع زيمل التحليل ليشمل مجمل الثقافة الحديثة.
أما الأداتية، فهي الوجه الآخر للموضعة. فإذا كان التشيؤ يعني استقلال الأشكال، فإن الأداتية تعني انقلاب العلاقة بين الوسائل والغايات. ففي الثقافة الحديثة، تتضخم الوسائل إلى درجة تبدو فيها كأنها غايات قائمة بذاتها، بينما تنخفض الغايات الأصيلة إلى مجرد وظائف أو تقنيات. المثال الأوضح عند زيمل هو المال. فالمال، في أصله، وسيلة لتبادل القيم وقياسها، لكنه في الحداثة يتحول إلى القيمة النموذجية التي تقاس بها كل القيم الأخرى. لم يعد المال يخدم الحياة فقط، بل أصبح يحدد معنى النجاح والمكانة والقدرة والاعتراف. وهكذا تنزاح القيمة من الغاية إلى الوسيلة، ويصبح ما كان أداة هو المركز الذي تنتظم حوله الرغبات والأحكام والتطلعات.
تنتج الأداتية وضعاً قيمياً مضطرباً. فحين تصبح كل الأشياء قابلة للقياس والتبادل، وحين تفقد القيم النوعية خصوصيتها أمام وسيط كمي عام، تنشأ النسبية، ثم العدمية. لا تعني العدمية هنا غياب القيم فقط، بل تعني صعوبة تمييز قيمة أصيلة داخل عالم صارت فيه كل القيم قابلة للتحويل والمقارنة والاستهلاك. فالإنسان الحديث لا يعاني من فقر في الوسائل، بل من تضخمها؛ ولا يعاني من غياب الأشكال، بل من كثافتها واستقلالها؛ ولا يعاني من نقص في الأشياء، بل من صعوبة تحويل هذه الأشياء إلى معنى شخصي داخلي.
من هنا نفهم أن زيمل لا يقدم نقداً أخلاقياً سطحياً للحداثة، بل يفكك بنيتها الداخلية. فالحداثة لا تسلب الإنسان حريته بطريقة مباشرة، بل تمنحه إمكانات واسعة ثم تحاصره بنتائج هذه الإمكانات نفسها. إنها تحرره من الروابط التقليدية، لكنها تربطه بعالم موضوعي أكثر تجريداً ولاشخصية. إنها توسع فرديته، لكنها تجعل هذه الفردية مهددة بالذوبان داخل أشكال موحدة. إنها تمنحه وسائل غير مسبوقة، لكنها تجعل الغايات أكثر غموضاً. وفي هذا الأفق ينبغي وضع مسألة المرأة عند زيمل: هل تستطيع المرأة، داخل ثقافة متشيئة ومؤداتة، أن تجد شكلاً يطابق نمط وجودها؟ أم إن هذه الثقافة، بحكم تكوينها التاريخي، لا تعترف إلا بالنمط الذكوري للموضعة؟
تقسيم العمل والذكورة
يحتل تقسيم العمل موقعاً مركزياً في تحليل زيمل، لأنه يمثل الوسيط الذي تتحقق عبره الموضعة الحديثة. فكلما تعقدت الثقافة، احتاجت إلى تخصص أكبر، وكلما تقدم التخصص، ازدادت الثقافة الموضوعية استقلالاً، وكلما ازدادت استقلالاً، تعمق عجز الفرد عن استيعابها في ثقافته الذاتية. ليست العلاقة بين تقسيم العمل والموضعة علاقة سبب بسيط بنتيجة بسيطة، بل علاقة دائرية: تقسيم العمل ينتج الموضعة، والموضعة تعمق تقسيم العمل، وهذا التقسيم ينتج مرحلة أعلى من الموضوعية الثقافية.
لكن زيمل يضيف إلى هذا التحليل بعداً إشكالياً حين يربط تقسيم العمل بالطابع الذكوري. فالرجل، في تصوره، أكثر قابلية من المرأة للانخراط في تخصصات جزئية لا تعبر بالضرورة عن كامل شخصيته. يستطيع الرجل أن يؤدي وظيفة محددة، وأن يفصل بين دوره المهني ووجوده الشخصي، وأن يعيش داخل علاقة جزئية دون أن يشعر بأن كليته قد تمزقت. أما المرأة، كما يتصورها زيمل، فتتميز بوحدة أكثر اندماجاً بين مركز الشخصية ومحيطها، بين الفعل والذات، بين العلاقة والشخص. ومن ثم، فإن إدخالها في تقسيم العمل الحديث قد لا يعني فقط منحها موقعاً داخل الثقافة الموضوعية، بل قد يعني أيضاً إخضاعها لمنطق يفتت وحدة وجودها.
ينبغي التعامل مع هذه الأطروحة بحذر شديد. فهي، من جهة، تكشف أن الثقافة الموضوعية ليست محايدة كما تقدم نفسها؛ فالحياد المؤسسي قد يخفي تاريخاً من التكوين الذكوري للأدوار والمعايير والنجاح والموضوعية. ومن جهة أخرى، تنطوي الأطروحة نفسها على تعميم ماهوي، لأنها تفترض أن المرأة، بما هي امرأة، أقرب إلى الوحدة والمباشرة والشخصنة، بينما الرجل أقرب إلى الانفصال والتجريد والتخصص. وهذه ليست حقيقة سوسيولوجية ثابتة، بل بناء تاريخي يحتاج إلى تفسير لا إلى افتراض.
ومع ذلك، يمكن إنقاذ البعد التفكيكي في تحليل زيمل إذا قرأناه لا بوصفه وصفاً أبدياً لطبيعة الرجل والمرأة، بل بوصفه كشفاً عن علاقة تاريخية بين الذكورة والثقافة الموضوعية. فالثقافة الحديثة، كما تشكلت في فضاءات الدولة، والسوق، والجامعة، والبيروقراطية، والقانون، والعلم، قامت في معظمها داخل مجالات كان الرجال يسيطرون عليها. ولذلك فإن ما يسمى «الموضوعية» قد يحمل داخله آثار هذا التاريخ: الميل إلى التجريد، الفصل بين الشخص والدور، تقديس الأداء المتخصص، اختزال القيمة في الإنجاز القابل للقياس، والتمييز بين العام والخاص. هذه السمات ليست ذكورية لأنها صادرة عن جوهر بيولوجي للرجل، بل لأنها تشكلت تاريخياً داخل مجال ذكوري للسلطة والإنتاج الرمزي.
بهذا المعنى، يصبح نقد زيمل للثقافة الموضوعية مدخلاً لفهم كيف تتحول الهيمنة إلى معيار. فالهيمنة لا تفرض نفسها فقط بالقوة، بل تصبح أكثر رسوخاً حين تقدم نفسها بوصفها حياداً. حين يقال إن القانون محايد، وإن العلم محايد، وإن العمل محايد، وإن السياسة محايدة، ينبغي أن نسأل: أي نمط من الذات افترضته هذه الأشكال؟ أي نوع من الحياة يلائمها؟ أي خبرات استبعدتها لكي تصير «موضوعية»؟ هنا تكمن قيمة زيمل: إنه يدفعنا إلى رؤية الثقافة لا باعتبارها مجموع منتجات، بل باعتبارها موضعة لأنماط حياة معينة صارت عامة لأنها امتلكت القدرة التاريخية على فرض أشكالها.
المرأة والثقافة
يقدم زيمل مسألة المرأة داخل الحركة النسوية الحديثة من زاويتين. الأولى تتعلق بالثقافة الذاتية، أي بحق النساء في الولوج إلى الخيرات الثقافية القائمة: التعليم، المعرفة، المهن، الفنون، الحقوق، المشاركة العامة. هذه هي الصيغة التي تبنتها، بدرجات مختلفة، النسوية الليبرالية والنسوية الاشتراكية. فالمرأة، وفق هذا الأفق، ينبغي أن تحصل على ما حرمته منها الثقافة الذكورية: الحق في التعليم، الحق في العمل، الحق في المشاركة السياسية، الحق في إنتاج الثقافة، والحق في الاعتراف بها كذات مساوية للرجل.
لا يرفض زيمل هذه المطالب بالضرورة، لكنه يرى أنها لا تمس السؤال الأعمق. فأن تشارك المرأة في الأشكال الثقافية القائمة لا يعني بالضرورة أن الوجود الأنثوي قد تموضع في الثقافة. قد تصبح المرأة طبيبة، أو قاضية، أو عالمة، أو فنانة، لكنها قد تفعل ذلك داخل أشكال صاغها الرجال، ووفق معايير ذكورية للنجاح والموضوعية والتخصص. وهنا يظهر الفرق بين إدماج النساء في الثقافة القائمة وبين خلق ثقافة أنثوية متميزة. المسألة الأولى سياسية وحقوقية ومؤسساتية؛ أما الثانية فهي سوسيولوجية وفلسفية في آن واحد، لأنها تتعلق بإمكان أن تنتج تجربة النساء أشكالاً ثقافية جديدة لا تكون مجرد إعادة إنتاج لما هو موجود.
هذا التمييز يتيح قراءة أعمق لموقف زيمل من النسوية. فهو لا يكتفي بالقول إن النساء ينبغي أن يلجن عالم الرجال، بل يتساءل: هل سيغير دخول النساء إلى الثقافة هذه الثقافة نفسها؟ هل ستبقى الثقافة كما هي، مع زيادة عدد النساء داخلها، أم إن حضور النساء سيؤدي إلى تعديل الأشكال والمعايير وأنماط الإدراك والحكم؟ هذا السؤال لا يزال راهناً. فكثير من المؤسسات الحديثة تستوعب النساء عددياً دون أن تغير منطقها الداخلي: الجامعة قد تضم نساء كثيرات لكنها تبقى محكومة بمقاييس إنتاجية صارمة؛ سوق العمل قد يفتح أبوابه لهن لكنه يفرض عليهن نموذج العامل المتفرغ المنفصل عن الرعاية؛ السياسة قد تسمح بحضور النساء لكنها تكافئ أنماط الخطاب والمنافسة والصراع التي صاغتها تقاليد ذكورية.
غير أن زيمل يذهب أبعد من ذلك حين يتساءل عما إذا كانت الثقافة الأنثوية ممكنة أصلاً. فإذا كانت الثقافة، بوصفها موضوعية، تقتضي الانفصال والتجريد والتخصص، وإذا كان الوجود الأنثوي، كما يتصوره، يقوم على المباشرة والاندماج والشخصنة، فهل يمكن أن يتموضع هذا الوجود دون أن يفقد ماهيته؟ هنا يصل زيمل إلى مأزق نظري: إما أن تظل المرأة خارج الثقافة الموضوعية حفاظاً على خصوصية نمط وجودها، وإما أن تدخل الثقافة فتخضع لمنطقها الذكوري، فتفقد ما يجعلها مختلفة. هذا المأزق هو جوهر «مشكلة المرأة» في نظرية زيمل حول الثقافة.
لكن هذا المأزق نفسه يكشف حدود تصوره. فهو يفترض أن الثقافة الموضوعية لا يمكن أن تكون إلا على النحو الذي عرفته الحداثة الذكورية، كما يفترض أن الوجود الأنثوي لا يمكن أن يعبر عن نفسه إلا في صورة مباشرة وغير متخصصة. والواقع أن السؤال السوسيولوجي لا ينبغي أن يكون: هل المرأة بطبيعتها مقاومة للموضوعية؟ بل ينبغي أن يكون: ما الشروط الاجتماعية والتاريخية التي جعلت أشكال الموضوعية السائدة غير ملائمة لتجارب النساء؟ وكيف يمكن إعادة بناء الموضوعية نفسها بحيث لا تكون مرادفة للتجريد الذكوري، بل قادرة على استيعاب الرعاية، والعلاقة، والخبرة الجسدية، والزمن الأسري، والهشاشة، والتجارب التي ظلت خارج التمثيل الثقافي الرسمي؟
البيت والاعتراف
يحتل البيت موقعاً خاصاً في تحليل زيمل. فهو المجال الذي يرى أن المرأة استطاعت، داخله، أن تنتج شكلاً ثقافياً مطابقاً نسبياً لنمط وجودها. البيت ليس، في هذا التصور، مجرد مكان مادي، بل شكل ثقافي تنتظم فيه الحميمية، والرعاية، والذوق، والعلاقات الشخصية، ووحدة الحياة اليومية. إنه المجال الذي لا تنفصل فيه الوظيفة عن الشخص، ولا الدور عن العلاقة، ولا التنظيم عن الحس الحميم. ولذلك عدّه زيمل، في صياغة إشكالية، الإنجاز الثقافي الأبرز للنساء.
غير أن هذا التصور يحتاج إلى تفكيك نقدي. فمن جهة، يتيح لنا فهم البيت لا بوصفه فضاء طبيعياً أو بيولوجياً، بل بوصفه شكلاً ثقافياً واجتماعياً؛ وهذا مهم لأنه يمنح العمل المنزلي والرعاية قيمة ثقافية لا مجرد وظيفة هامشية. ومن جهة ثانية، يحمل هذا التصور خطراً واضحاً، لأنه قد يحول الإقصاء التاريخي للنساء من المجال العام إلى دليل على «طبيعتهن» المنزلية. فإذا كانت النساء قد أبدعن داخل البيت، فليس ذلك بالضرورة لأن البيت هو المجال الطبيعي الوحيد لوجودهن، بل لأن الثقافة الحديثة أغلقت في وجوههن مجالات أخرى، ثم طلبت منهن أن يجدن كمالهن في المجال الوحيد المتاح لهن.
لهذا ينبغي التمييز بين الاعتراف بالقيمة الثقافية للبيت وبين حصر المرأة فيه. فالبيت، بوصفه فضاء للرعاية وإنتاج الحياة اليومية، يكشف عجز الثقافة الذكورية عن الاعتراف بما لا يأخذ شكل إنتاج قابل للسوق أو إنجاز قابل للقياس. لكنه، في الوقت نفسه، قد يصبح أداة لإعادة إنتاج اللامساواة حين يتم تصوير الرعاية كقدر أنثوي لا كمسؤولية اجتماعية مشتركة. هنا تتضح راهنية زيمل وحدوده معاً: لقد رأى أن الثقافة الموضوعية تستبعد خبرات أنثوية أساسية، لكنه لم يتحرر بالكامل من التصور الذي يجعل هذه الخبرات مرتبطة بماهية أنثوية ثابتة.
وبذلك، يمكن إعادة بناء فكرته بطريقة سوسيولوجية أكثر دقة: ليست الرعاية أنثوية في ذاتها، وليست الحميمية حكراً على النساء، وليست المباشرة العلائقية خاصية بيولوجية، لكنها مجالات جرى تاريخياً تأنيثها، أي إسنادها اجتماعياً إلى النساء، ثم تخفيض قيمتها مقارنة بمجالات الإنتاج والسياسة والقانون والعلم. إن السؤال ليس كيف نعيد المرأة إلى البيت بوصفه ثقافتها الأصلية، بل كيف نعيد الاعتبار للرعاية والحميمية والعمل العاطفي والتنظيم اليومي للحياة بوصفها أبعاداً ثقافية مركزية، وكيف نحررها في الوقت نفسه من أسر الإسناد الجندري.
المغازلة والحب
لا يكتمل فهم زيمل في هذا المجال دون المرور عبر تحليله للمغازلة والحب. فالمغازلة، عنده، ليست مجرد سلوك فردي، بل شكل اجتماعي قائم على المفارقة. إنها تمنح وتسحب، تقترب وتبتعد، تعد وتنفي الوعد، تجعل الإمكان حاضراً دون أن تحوله إلى تحقق نهائي. قوتها تكمن في إبقاء العلاقة معلقة بين الامتلاك وعدم الامتلاك. ولذلك فهي شكل من أشكال اللعب، لكنها ليست لعباً فارغاً؛ إنها تكشف أن العلاقات الإنسانية لا تقوم فقط على المضامين الصريحة، بل على الأشكال الدقيقة للتبادل الرمزي، على الإيقاع، وعلى المسافة، وعلى إدارة الاحتمال.
تمكننا هذه الفكرة من فهم أسلوب زيمل في السوسيولوجيا. فهو لا يبحث فقط عن المؤسسات الكبرى، بل عن الأشكال الصغيرة التي تنتظم عبرها الحياة الاجتماعية: السر، الموضة، الغريب، المغازلة، الصراع، التبادل، الوجبة، الزينة. هذه الأشكال، على صغرها الظاهر، تكشف بنية العلاقة الاجتماعية. فالمغازلة ليست موضوعاً هامشياً، لأنها تظهر كيف تتحول الرغبة إلى شكل، وكيف تنتظم السلطة داخل اللعب، وكيف يمكن للانسحاب أن يكون طريقة في السيطرة، وكيف لا تكون العلاقة العاطفية خالية من البعد الاجتماعي.
أما الحب، فيظهر عند زيمل بوصفه تجربة تنبثق من الحياة، لكنها تنفصل عن وظائفها الحيوية المباشرة. ففي البداية، يبدو الحب مرتبطاً بالانجذاب الجنسي وبالحاجة الإنجابية، لكنه يتحول تدريجياً إلى عالم مستقل، له منطقه وقيمته وغاياته. هنا تتكرر البنية نفسها عند زيمل: الحياة تنتج شكلاً، والشكل يستقل عن الحياة. الحب يبدأ كوسيلة للحياة، ثم تصبح الحياة نفسها وسيلة لتحقيق الحب. وهذا الانقلاب يجعل الحب تجربة حديثة بامتياز، لأنه يكشف قدرة الأشكال على التحرر من أصولها الوظيفية، كما يكشف في الوقت نفسه التوتر بين الإيروس والمؤسسة، بين العاطفة والزواج، بين التجربة الحية والشكل الاجتماعي الذي يحاول ضبطها.
من خلال المغازلة والحب، يتضح أن زيمل لا يقدم نظرية في المرأة فقط، بل يطور سوسيولوجيا للأشكال العلائقية التي تتقاطع فيها الجنسانية، والسلطة، والرمز، والثقافة. فالجسد ليس معطى بيولوجياً صرفاً، والرغبة ليست انفعالاً فردياً محضاً، والحب ليس شأناً نفسياً فقط؛ كلها تدخل في أشكال اجتماعية تجعلها قابلة للفهم والممارسة والتمثيل. وهذا ما يمنح نصوص زيمل راهنيتها، لأنها تسبق كثيراً من التحليلات المعاصرة التي ترى أن الحميمي نفسه مبني اجتماعياً، وأن العاطفة لا توجد خارج الأطر الثقافية التي تمنحها معنى.
حدود التصور
أقوى ما في زيمل هو قدرته على رؤية الطابع التاريخي للأشكال التي تقدم نفسها كأنها طبيعية. وأضعف ما فيه أنه، أحياناً، يعوض طبيعة بأخرى: يكشف أن الثقافة الموضوعية ليست عامة بل ذكورية، لكنه يميل إلى افتراض أن الأنوثة تمتلك ماهية مستقلة، مباشرة، موحدة، ومقاومة للتخصص. وهذا ما يجعل قراءته قابلة للتفكيك من داخلها. فإذا كانت الثقافة نفسها، في نظر زيمل، سيرورة دائمة بين الحياة والشكل، وإذا كانت الأشكال تعيد تشكيل الحياة التي أنتجتها، فكيف يمكن افتراض طبيعة أنثوية ثابتة لا تتغير؟ أليست المرأة نفسها نتاجاً لتاريخ من الأشكال والمؤسسات والتنشئة والعمل واللغة والسلطة؟ أليست الأنوثة، كما الذكورة، شكلاً اجتماعياً متغيراً لا جوهراً عابراً للتاريخ؟
هذا السؤال لا يلغي قيمة زيمل، بل يجعلها أكثر خصوبة. فبدلاً من أخذ قوله عن «الطبيعة الأنثوية» كحقيقة، يمكن قراءته كعلامة على مأزق الثقافة الحديثة في تمثيل الاختلاف. لقد كان زيمل يبحث عن طريقة للاعتراف بأن تجربة النساء ليست مجرد نسخة ناقصة من تجربة الرجال، وأن المساواة لا تعني بالضرورة الذوبان في الأشكال القائمة. غير أنه لم يكن يمتلك، أو لم يطور بما يكفي، جهازاً سوسيولوجياً يسمح له بفهم الاختلاف بوصفه تاريخياً لا ماهوياً. لذلك بقي يتأرجح بين نقد التذكير الثقافي وبين إعادة إنتاج صورة ثابتة عن الأنوثة.
تتيح القراءة المعاصرة تجاوز هذا التوتر بالتمييز بين ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو نقد الثقافة الموضوعية السائدة باعتبارها محمولة بتاريخ ذكوري. وهذا مستوى قوي عند زيمل. المستوى الثاني هو الاعتراف بأن تجارب النساء قد تكشف أبعاداً مستبعدة من الثقافة، مثل الرعاية، والجسد، والهشاشة، والعلاقات، والعمل غير المرئي، والزمن المنزلي. وهذا أيضاً يمكن تطويره انطلاقاً من زيمل. أما المستوى الثالث، فهو تجنب تحويل هذه التجارب إلى جوهر أنثوي ثابت. فالنساء لا يشكلن كتلة واحدة، وتجاربهن تختلف بحسب الطبقة، والموقع الاجتماعي، والعرق، والتعليم، والعمل، والقرابة، والسياق التاريخي. ولذلك فإن الثقافة المؤنثة، إن صح استعمال العبارة، لا ينبغي أن تفهم كجوهر مضاد للذكورة، بل كإعادة بناء للأشكال الثقافية بحيث تصبح أكثر قدرة على استيعاب تعدد الخبرات الإنسانية.
إن هذا التحويل في القراءة يسمح بجعل زيمل حليفاً نقدياً لا مرجعاً نهائياً. فهو يساعدنا على طرح سؤال لا يزال أساسياً: هل يكفي أن تدخل الفئات المقصاة إلى المؤسسات القائمة، أم ينبغي أن تتغير المؤسسات نفسها؟ هل يكفي أن تصبح النساء حاضرات في الجامعة والسوق والسياسة، أم ينبغي أن تتغير معايير المعرفة والعمل والسلطة؟ هل المطلوب مساواة شكلية داخل عالم صيغ تاريخياً وفق نموذج ذكوري، أم بناء موضوعية جديدة لا تفصل العقل عن الجسد، ولا الإنتاج عن الرعاية، ولا العام عن الخاص، ولا القيمة عن الحياة؟
خلاصة
تأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن أفكار زيمل حول المرأة والجنسانية والحب لا تفهم إلا داخل نظريته العامة في الثقافة. فالمسألة المركزية ليست المرأة بوصفها موضوعاً معزولاً، بل العلاقة بين الحياة والشكل، وبين الثقافة الذاتية والثقافة الموضوعية، وبين الموضعة والاغتراب. لقد رأى زيمل أن الحداثة أنتجت عالماً موضوعياً هائلاً، لكنه عالم يميل إلى التشيؤ والأداتية، ويعمق المسافة بين الفرد ومنتجاته. وداخل هذا العالم، تطرح المرأة مشكلة خاصة، لأنها تكشف أن الثقافة التي تقدم نفسها كونية قد تكون موضعة تاريخية لنمط ذكوري في الوجود.
تتحدد قوة زيمل في كونه لم يتعامل مع الثقافة كفضاء محايد، بل كتركيب تاريخي للأشكال والقيم والعلاقات. ومن هنا تأتي أهمية تحليله للبيت، وتقسيم العمل، والمغازلة، والحب، والثقافة الموضوعية. لكنه يظل محدوداً حين يربط مقاومة النساء لتقسيم العمل بطبيعة أنثوية ثابتة، بدل أن يردها إلى شروط اجتماعية وتاريخية أنتجت توزيعاً غير متكافئ للأدوار والأشكال والاعتراف. لذلك، فإن القراءة السوسيولوجية الدقيقة لزيمل لا ينبغي أن تكتفي بشرحه، بل عليها أن تفكك بنيته النظرية: أن تحتفظ بنقده للثقافة الذكورية، وأن تتجاوز جوهرانيته الأنثوية.
إن راهنية زيمل تكمن في السؤال الذي يتركه مفتوحاً أكثر مما تكمن في الجواب الذي يقدمه: كيف يمكن تحويل الثقافة الموضوعية بحيث لا تبقى عالماً من الأشكال المتشيئة والمؤداتة، ولا تبقى موضعة لتاريخ ذكوري مقنع باسم الكونية، بل تصبح مجالاً تتعدد فيه أشكال الحياة، وتجد فيه التجارب المقصاة إمكانها في التعبير والاعتراف؟ بهذا المعنى، لا يعود التفكير في المرأة عند زيمل مجرد موضوع في تاريخ السوسيولوجيا، بل مدخلاً لإعادة مساءلة معنى الثقافة ذاتها، وحدود الموضوعية، وشروط العدالة الرمزية داخل الحداثة.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|