|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
!--a>
2026 / 6 / 7
ليس صحيحاً أن الحرب هي التي اخترعت اللاجئة السودانية. الحرب فقط كشفت وكثفت ما كانت الدولة قد بدأت في إنتاجه منذ عقود. فالدولة في السودان لم تكن حامياً محايداً انهار فجأة، بل كانت جهازاً طبقيًا بامتياز، أداة في يد تحالفات رأسمالية متعاقبة، وظيفتها الأساسية حماية تراكم رأس المال لطبقة ضيقة، وليس توفير العيش للغالبية. أن نفهم الدولة هكذا هو الشرط المسبق لأي تحليل جاد للجوء، وإلا سنظل نردد السؤال السطحي: "لماذا انهارت الدولة؟" بدلاً من السؤال المادي: "لماذا كانت الدولة أصلاً أداة للانهيار التدريجي للفقراء؟".
نظام الإنقاذ الذي حكم من 1989 إلى 2019 لم يكن انحرافاً عن مشروع وطني، بل كان التعبير الأكثر صراحة عن تحالف بين رأس المال التجاري العابر للحدود، والجهاز العسكري الأمني، وبرجوازية الريع المرتبطة بالذهب والنفط. تحت غطاء "المشروع الحضاري"، تم تفكيك ما تبقى من خدمات الدولة الاجتماعية التي كانت شحيحة أصلاً. المستشفيات تحولت إلى مشاريع خاصة، التعليم المجاني تراجع لصالح المدارس الخاصة والأجنبية لأبناء البرجوازية، والنقابات المستقلة حوصرت وصودرت. هذه السياسات لم تكن "فساداً" أو "سوء إدارة"، بل هي جوهر الدولة الرأسمالية الطبقية: إعادة توزيع الثروة من الأسفل إلى الأعلى، وإنتاج فقراء جدد في كل دورة.
النيوليبرالية السودانية لم تأت عبر صندوق النقد الدولي فقط، بل عبر بنادق الأمن. فمنتصف التسعينيات، مع صعود نظام الإنقاذ كحليف إقليمي للإمبريالية الأمريكية في إطار ما سُمي الحرب على الإرهاب ، ثم انفتاحه لاحقاً على رأس المال الصيني والروسي والإماراتي والسعودي، فُرضت برامج التكيف الهيكلي التي أملاها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي أوصت بتقليص الإنفاق الاجتماعي وخصخصة كل شيء قابل للخصخصة. الأسر الفقيرة وجدت نفسها تدفع ثمناً مضاعفاً: الدعم عن السلع الأساسية رُفع، والخدمات المجانية ألغيت، وفي المقابل ارتفعت أسعار الذهب للنخبة المستفيدة من الامتيازات. هذه التناقضات لم تبق مخفية، بل تفجرت في انتفاضات شعبية متكررة، لكن الدولة كانت تمتلك من القمع ما يكفي لإعادة إنتاج شروطها.
التهميش الجهوي كان سياسة دولة وليس مجرد إهمال. دارفور، كردفان، النيل الأزرق، وشرق السودان لم تكن فقيرة بفعل الجغرافيا، بل أفقرتها الدولة عمداً لتحويلها إلى مناطق استخراجية خالصة. الذهب يخرج من جبال النوبة والحديد من وادي حلفا والنفط من هجليج، وعوائد كل هذا تذهب إلى الخرطوم وإلى حسابات النخبة الحاكمة، بينما تبقى المناطق بلا مدارس ولا مستشفيات ولا طرق. المرأة في قرية بجنوب كردفان كانت تلد في ظل شجرة قبل الحرب، ليس لأن الحرب صنعت ذلك، بل لأن الدولة الرأسمالية رأت أن استثماراً واحداً في منجم ذهب يعود عليها بأرباح تفوق عشرات المستشفيات التي لا تدر ربحاً.
الأبوية المؤسسية كانت عموداً فقرياً للدولة بوصفها جهازاً طبقياً. فالقوانين السودانية، خاصة قانون النظام العام في عهد الإنقاذ، أعطت أجهزة الأمن سلطة واسعة في ملاحقة النساء بتهم السلوك غير الأخلاقي لمجرد خلع الحجاب أو التواجد في مكان عام برفقة رجل ليس محرماً. وقانون الأحوال الشخصية منح الولي سلطة إجبار البكر على الزواج، ما جعل جسد المرأة رهناً بقرار ذكوري. هذا المزيج من القوانين الظالمة والشرطة الأبوية والمحاكم غير المنتخبة لم يكن تطبيقاً للشريعة ، بل كان أداة طبقية لإبقاء المرأة في موقع العمل المنزلي غير المدفوع، وطردها من سوق العمل الرسمي حيث يمكن أن تنافس الرجال أو تنظم نقابياً. المرأة المُهدَّدة قانونياً وقمعياً هي امرأة أسهل استغلالاً في الاقتصاد غير الرسمي، وأسرع إلى القبول بأي شروط عندما تنهار حالتها.
ما قبل الحرب لم يكن عصراً ذهبياً انتظر الانهيار. كان عصراً من الانهيار البطيء، المنظّم، الذي يصب في مصالح الطبقة المسيطرة. انهيار الخدمات الصحية يعني أن المرأة تتحمل وحدها تكلفة علاج طفلها المريض، فتبيع أخر ما تملك. انهيار التعليم العام يعني أن الابن الأول يترك المدرسة ليعمل في محل والده أو في الشارع، فيتقطع به الحال لاحقاً. انهيار شبكات الأمان المجتمعية، التي كانت الدولة تعمل بنشاط على تفتيتها بفعل سياسات الإفقار، يعني أن المرأة العزباء تصبح هدفاً سهلاً للاستغلال من الميليشيات التي كانت الدولة تدربها وتموّلها. كل هذا لم يبدأ مع قنابل أبريل 2023، بل بدأ مع قوانين التسعينيات وصفقات التعدين.
لذلك، حين عبرت المرأة السودانية الحدود إلى مصر أو تشاد، لم تكن تحمل فقط جرح الرصاصة الأخيرة، بل كانت تحمل جروحاً متراكمة: سنوات من العمل بلا تأمين صحي، سنوات من تربية أطفال بلا مدارس، سنوات من مشاهدة الحكومة تبيع أرضها لشركة أجنبية تحت واجهة "الاستثمار". الحرب كانت الطلقة التي أجهضت جسداً كان قد فقد أعضاءه الحيوية واحدة تلو الأخرى. الدولة السودانية كجهاز طبقي لم تفاجأ بالحرب، بل هي التي هيّأت الأرضية لها عبر عقود من إنتاج الفقراء القابلين للتهجير.
كما كتب غرامشي في دفاتر السجن: "الدولة هي المجتمع السياسي المدرع بالهيمنة، وهي التي تخلق وتُبقي على نوع معين من الاقتصاد ونوع معين من المجتمع المدني." الدولة السودانية أوجدت اقتصاداً يُنتج اللاجئين بانتظام، ومجتمعاً مدنياً هشاً لا يستطيع مقاومة الاقتلاع. الحرب جاءت لتُنهي مهمة كانت الدولة قد بدأتها منذ زمن.
النضال مستمر،،
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|