|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عمار صالح عباس
!--a>
2026 / 6 / 8
بصورة عامة فأن المرأة لا تسعى للجوء لأنها تحب الرحيل، و لا تغادر بيتها أو مدينتها أو بلدها كما يغادر الإنسان مكاناً ضاق به مؤقتاً. في الكثير من الحالات، يكون اللجوء آخر خيار لها بعد أن تفشل الأسرة، و المجتمع، و الدولة في توفير الحد الأدنى من الأمان. لذلك، فإن السؤال العادل ليس: لماذا تركت المرأة وطنها؟ بل: ما الذي جعل البقاء مستحيلاً إلى هذه الدرجة؟ خلف كل امرأة لاجئة توجد غالباً شبكة من العوامل المتداخلة: عنف سياسي، فقر، خوف، تمييز ديني، ضغط اجتماعي، و أحياناً اضطهاد قومي أو إثني يحوّل الهوية نفسها إلى خطر يومي.
الأرقام العالمية تكشف أن هذه ليست ظاهرة هامشية. فبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وصل عدد النازحين قسراً في نهاية عام 2024 إلى نحو 123.2 مليون إنسان، أي ما يعادل شخصاً واحداً من كل 67 شخصاً في العالم. هذا الرقم لا يصف حركة بشرية عادية، بل يصف عالماً تتوسع فيه الحروب، و النزاعات الداخلية، و الاستقطاب الاجتماعي القائم على الانتماء، و فشل الدولة في حماية مواطنيها. و عندما يتحول المجتمع إلى بيئة طاردة، تدفع المرأة الثمن مضاعفاً، لأنها لا تواجه العنف العام فقط، بل تواجه أيضاً العنف الخاص داخل البيت و العائلة و الجماعة.
أحد الأسباب المهمة للجوء النساء هو التفسير الديني المتشدد الذي يُستخدم لتبرير السيطرة على الجسد و الحركة و التعليم و الزواج و الاختيار الشخصي. المشكلة هنا ليست في وجود الدين كإيمان فردي، بل في تحويله إلى سلطة اجتماعية قسرية تُستخدم ضد المرأة. في بعض البيئات، تُمنع المرأة من التعليم أو العمل باسم “الحماية”، و تُجبر على الزواج باسم “الستر” بل و حتى اختيار الشريك و انتماءه بغض النظر عن ملائمته، و تُراقب حركتها باسم “الشرف”. و إذا رفضت، تتحول إلى متهمة أخلاقياً قبل أن تُسمع قصتها. هذا النوع من الضغط قد لا يظهر دائماً في نشرات الأخبار، لكنه يدفع كثيرات إلى الهرب من عائلة أو جماعة أو بلد كامل.
العامل الاجتماعي لا يقل قسوة. فالمجتمعات التي تربط كرامة العائلة بسلوك المرأة تضعها في موضع هش دائماً. قد تكون ضحية عنف، لكنها تُعامل كأنها سبب الفضيحة. و قد تطلب الطلاق أو الحماية، فتُتهم بأنها خرجت على العرف. و قد تسعى إلى التعليم أو العمل، فيُنظر إليها كأنها تهدد سلطة الأسرة. هنا يصبح المجتمع سجناً ناعماً؛ لا يحتاج دائماً إلى السلاح، لأنه يستخدم الخوف و السمعة و العزل و الضغط النفسي. و في حالات الزواج المبكر، تذكر UNICEF أن الفقر، و الأعراف الاجتماعية، و مفاهيم الشرف، و بعض القوانين العرفية أو الدينية التي تتسامح مع الممارسة، كلها عوامل تزيد تعرض الفتيات لهذا النوع من الانتهاك.
أما السبب القومي أو الإثني، فهو من أكثر أسباب اللجوء قسوة، لأنه يجعل المرأة مستهدفة لا بسبب فعل قامت به، بل بسبب أصلها أو لغتها أو انتمائها. حالة الروهينغا مثال واضح على ذلك؛ فهم أقلية مسلمة عديمة الجنسية إلى حد كبير في ميانمار، و يعيش نحو 1.2 مليون منهم في بنغلادش، بينما وصل نحو 150 ألفاً آخرين منذ أوائل عام 2024 بسبب تجدد العنف. في مثل هذه الحالة، لا تهرب المرأة من الفقر فقط، بل من هوية أصبحت مهددة، و من نظام سياسي و اجتماعي يطردها من معنى المواطنة قبل أن يطردها من الأرض.
و في العراق، تكشف مأساة الإيزيديات الوجه الأشد قسوة لهذا النوع من الاضطهاد. فقد وصفت لجان و هيئات أممية ما تعرض له الإيزيديون على يد التنظيم الإرهابي بأنه حملة إبادة، لم تقتصر على القتل و التهجير، بل شملت السبي، و الاستعباد الجنسي، و النقل القسري للنساء و الأطفال. و تشير تقديرات حقوقية إلى أن نحو 7000 امرأة و فتاة إيزيدية تعرضن للأسر و الاستعباد، و أن آلافاً منهن ظللن مفقودات لسنوات. لكن الجريمة لم تنتهِ دائماً بخروج النساء من قبضة التنظيم؛ فقد بدأت بعدها محنة أخرى، أكثر صمتاً و التباساً. فالعديد من الناجيات عُدن إلى مجتمع جريح حاول احتضانهن و الاعتراف بمعاناتهن، غير أن الأطفال الذين وُلدوا خلال فترة السبي ظلوا في حالات عديدة خارج دائرة القبول. و بذلك، وُضعت بعض الأمهات أمام معادلة لا إنسانية: النجاة من السبي، ثم الاختيار بين الانتماء إلى الجماعة و البقاء مع الطفل. هنا يصبح اللجوء مرة ثانية ليس بحثاً عن بلد أفضل، بل دفاعاً عن طفل مهدد بالرفض، و عن أمومة لا تقبل أن يتحول الطفل إلى امتداد رمزي للجاني. إن هذه المأساة تكشف أن العنف ضد المرأة لا ينتهي بانتهاء الفعل الإجرامي الأول، بل قد يستمر في الذاكرة، و القانون، و الأعراف، و في الأسئلة القاسية التي يتركها المجتمع بلا جواب.
أما قضية القبطيات في مصر فتحتاج إلى تناول حذر، لأنها تقع في منطقة متداخلة بين الشهادات الحقوقية و الرواية الرسمية. تطرح منظمات قبطية و حقوقية اتهامات متكررة عن اختفاء نساء و فتيات قبطيات، و عن حالات زواج أو تغيير دين تحت ضغط اجتماعي أو عائلي أو طائفي، بينما تميل السلطات غالباً إلى تفسير بعض الحالات بوصفها قرارات فردية أو نزاعات أسرية. و حتى مع هذا الجدل، فإن مجرد تكرار القلق داخل أقلية دينية يكشف هشاشة وضع المرأة عندما تتقاطع أنوثتها مع انتمائها الديني. فالمرأة في هذه الحالات لا تُرى كفرد كامل الإرادة فقط، بل قد تتحول إلى رمز صراع بين جماعتين، و هذا بحد ذاته شكل من أشكال العنف الرمزي و الاجتماعي.
و مع ذلك، فإن اللجوء لا يعني نهاية الظلم. المرأة التي تهرب من العنف قد تجد نفسها في مخيم مزدحم، أو نظام لجوء بطيء، أو سوق عمل مغلق، أو بيئة جديدة تستغل حاجتها. حذرت UNHCR في عام 2024 من أن أكثر من 60 مليون امرأة و فتاة نازحة قسراً أو عديمة الجنسية يواجهن مخاطر مرتفعة من العنف القائم على النوع الاجتماعي. و تشير UN Women إلى أن تمويل برامج الحماية من هذا العنف لم يشكل في عام 2024 سوى 1.3% من التمويل الإنساني المستلم. هذا يعني أن العالم يعترف بالمشكلة لغوياً، لكنه لا يمول حمايتها بما يكفي عملياً.
إن اختزال المرأة اللاجئة في صورة الضحية وحدها ظلم آخر. هي ضحية ظروف قاسية، نعم، لكنها أيضاً إنسانة قادرة على بناء حياة جديدة إذا توفرت لها حماية قانونية، و تعليم، و عمل، و دعم نفسي، و مسار آمن للاندماج. ما تحتاجه ليس الشفقة، بل العدالة. و العدالة تبدأ من الاعتراف بأن اللجوء النسوي ليس حادثاً منفصلاً، بل نتيجة مباشرة لمنظومات دينية متشددة، و اجتماعية خانقة، و قومية عنيفة، و دول فشلت في حماية مواطنيها.
برأيي المتواضع، فإن المرأة لا تهرب من وطنها إلا عندما يتحول الوطن إلى مساحة خوف. و حين تصل إلى هذه النقطة، لا يعود السؤال عن جرأتها في الرحيل، بل عن جبن العالم في تركها وحيدة أمام واقع ظالم.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|