|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
!--a>
2026 / 6 / 9
قبل أن تعبر أي امرأة حدوداً، تكون الحرب قد خاضت معركتها الحقيقية في جسدها واقتصادها وشبكاتها الاجتماعية. لحظة إنتاج اللاجئة لا تبدأ عند نقطة العبور، بل تبدأ حين ينهار الاقتصاد المنزلي الذي كانت هي عموده، وحين يُسلب منها حقها في الأرض، وحين يصبح جسدها ساحة لإرهاب منظم. هذه المرحلة غائبة تماماً من الدراسات الإنسانية ومن خطابات المنظمات، لأن الاعتراف بها يعني الاعتراف بأن اللجوء لم يكن قراراً بل إكراهاً مادياً، وأن المرأة لم تترك بيتها طواعية بل طُردت منه بأشكال متعددة سبقت القنابل.
الاقتصاد المنزلي في السودان، قبل أن تنفجر الحرب، كان قائماً على عمل المرأة غير المدفوع والمدعوم بشبكات عائلية موسعة. المرأة التي تعد الطعام وتغسل الملابس وترعى الأطفال وتزرع الخضروات في الفناء الخلفي كانت تنتج قيمة حقيقية، لكنها كانت قيمة غير محسوبة في الناتج المحلي الإجمالي، وغير محمية بأي قانون. الحرب لم تكتفِ بتدمير المصانع والطرق، بل استهدفت هذا الاقتصاد المنزلي بدقة: القصف يجعل جمع الحطب مستحيلاً، والصراع على الآبار يمنع الحصول على الماء، والنزوح الجماعي يفكك الأسرة الممتدة التي كانت تتقاسم أعباء الرعاية. المرأة تجد نفسها فجأة مسؤولة عن كل شيء وفي نفس الوقت لا تملك أي شيء.
فقدان الأرض هو الضربة الأعمق لأن الأرض في السودان ليست مجرد ملكية، بل هي وسيلة الإنتاج الوحيدة لملايين الأسر. المرأة الريفية التي كانت تحصل على حقها في الأرض عبر الأعراف القبلية – مهما كانت هذه الأعراف قاصرة وظالمة – تجد أن الحرب تلغي حتى هذا الحق الهش. الميليشيات التي تسيطر على مناطق دارفور لا تسأل عن وثائق الملكية، بل تسأل عن السلاح. ومن لا سلاح لها تُجبر على الرحيل، وأرضها تصبح إما مرعى لمواشي الميليشيا أو موقعاً لاستخراج الذهب. هذه ليست سرقة فردية، بل هي إعادة توزيع طبقي للأرض لصالح أقوى الفصائل المسلحة التي تمثل مصالح رأسمالية محددة.
الاغتصاب كسلاح حرب ليس فظاعة أخلاقية عابرة، بل هو استراتيجية عسكرية واقتصادية موثقة. وظيفته الأولى تكسير إرادة المجتمعات المقاومة، لأن اغتصاب امرأة في مجتمع أبوي يُعادل اغتصاب كرامة الرجال فيها. وظيفته الثانية إجبار الأسر على الفرار، فالمرأة التي تُغتصب في قريتها لا يمكنها البقاء بسبب الوصم الاجتماعي الذي تُحمّله هي وليس الجلاد. وظيفته الثالثة تدمير النسيج الديموغرافي: الأطفال الناتجون عن الاغتصاب يحملون هوية العدو، ويُحدثون شرخاً في الانتماء المجتمعي لأجيال قادمة. الإفلات من العقاب في هذه الحالات ليس إخفاقاً في تطبيق القانون، بل هو القانون نفسه، لأن من يمارس الاغتصاب هو الطرف الذي يملك السلطة ويصنع القوانين.
تفكك شبكات الرعاية المجتمعية هو ما يُنتج اللاجئة نهائياً. قبل الحرب، كانت المرأة في أي قرية سودانية تعرف أن جارتها ستُرضع طفلها إذا مرضت، وأن عمتها ستقرضها مالاً إذا احتاجت، وأن جمعية النساء المحلية ستجمع تبرعات لحفل زفاف ابنها. هذه الشبكات كانت رأسمالاً اجتماعياً هائلاً، يُنتج قيمة هائلة دون أن يكلف الدولة أو السوق شيئاً. الحرب تقصف هذه الشبكات ليس لأنها تستهدفها عمداً، بل لأنها تفرق الناس في اتجاهات مختلفة، تحول الجيران إلى غرباء، والعمات إلى أرقام في سجلات مفوضية اللاجئين. المرأة التي تفقد هذه الشبكات تفقد نصف اقتصادها ونصف حمايتها ونصف هويتها.
حين تصبح الهجرة ضرورة مادية، لا يكون هناك قرار حقيقي. المرأة التي تبيع أخر حليها لسمسار التهريب لا "تختار" الرحيل، بل يفرض عليها منطق البقاء البيولوجي الخالص: البقاء يعني الموت البطيء جوعاً أو الموت السريع قصفاً، والرحيل يعني احتمال الحياة. هذه المعادلة ليست معادلة فردية، بل هي نتاج قوانين موضوعية للرأسمالية في زمن الحرب. كما أن الرأسمالية تحتاج إلى جيش احتياط من العاطلين في أوقات السلم، فهي تحتاج إلى جيش احتياط من اللاجئين في أوقات الحرب. المرأة السودانية تُساق إلى هذا الجيش بنفس الضرورة التي يُساق بها العامل إلى المصنع: لا خيار، فقط اضطرار.
هذه المرحلة – ما قبل العبور – هي الأكثر إنتاجاً للاجئة، لكنها الأقل توثيقاً في تقارير المنظمات الدولية. لماذا؟ لأن توثيقها يعني توجيه الاتهام: للدولة التي تركت اقتصاد المرأة المنزلي بلا حماية، وللمجتمع الأبوي الذي جعل جسد المرأة ساحة مكشوفة، وللقوى الإمبريالية التي تمول الميليشيات التي تغتصب. التوثيق الحقيقي يزعزع شرعية "العمل الإنساني" القائم على تقديم المساعدات دون مساءلة الجلاد. كما قالت سيلفيا فيديريتشي: "جسد المرأة كان دائماً أرخص وسيلة لإعادة إنتاج قوة العمل، والحرب تكشف هذا السعر الحقيقي."
النضال مستمر،،
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|