|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
!--a>
2026 / 6 / 11
الرحلة نفسها ليست فوضى يائسة لبشر يهربون من الموت، بل هي صناعة منظّمة بمصالح واضحة وأطراف تستفيد وشبكات متكاملة تعمل بكفاءة السوق. أن تفهم التهريب كجريمة فردية يرتكبها مجرمون هامشيون هو أن تُخطئ تماماً في تشخيص البنية، لأن التهريب يعيش ويزدهر بفضل سياسات الحدود التي تُغلق الطرق القانونية وتُبقي الطرق غير القانونية مفتوحة بثمن. المرأة السودانية في الطريق لا تواجه خطر السماسرة فقط، بل تواجه نظاماً عالمياً لإدارة الهجرة مصمماً خصيصاً لاستنزافها جسدياً ومالياً قبل أن تصل إلى أي أمان مزعوم.
الحدود السودانية الحالية لم ترسمها طبيعة الجغرافيا أو إرادة السكان. رسمها المستعمر البريطاني والفرنسي بخطوط مستقيمة على خرائط مكتبية، تقطع الجماعات العرقية والأسرية وأنظمة الرعي والزراعة التي كانت تعمل لقرون. هذه الحدود لم تصمم لتخدم البشر على جانبيها، بل لخدمة المصالح الاستعمارية في تقسيم النفوذ وتسهيل استخراج الموارد. اليوم، هذه الحدود نفسها تُدار بموجب اتفاقيات أمنية مع الاتحاد الأوروبي الذي يموّل مراقبتها وإحكامها، لا لحماية السكان المحليين من خطر ما، بل لمنع وصول المهاجرين من أفريقيا إلى الشمال الغني. الحدود إذن هي سور رأسمالي عالمي، يفصل بين مستودع العمالة الرخيصة وسوق العمل مرتفع الأجر.
شبكات التهريب لا يديرها مجرمون هامشيون يعملون في الظل. تشمل ضباطاً في الأجهزة الأمنية يتقاضون رشاوى منتظمة مقابل التغاضي عن عبور مجموعات معينة، وزعامات قبلية حدودية تتحكم في ممرات العبور التقليدية التي كانت تستخدم للرعي والتجارة قبل أن تصبح مهربة للبشر، وشبكات إقليمية تمتد من الخرطوم إلى القاهرة إلى طرابلس، مرتبطة بأسواق السلاح والمخدرات. هذه الشبكة متكاملة ومربحة، وهي تستفيد بالضبط من الإغلاق الرسمي للحدود، لأن الإغلاق يرفع السعر ويحقق الاحتكار. إضعاف هذه الشبكات يستلزم فتح الحدود قانونياً وتوفير قنوات آمنة للهجرة، وهو ما لا يريده أحد من الأطراف المستفيدة، لا الدول الغنية التي تريد انتقاء مهاجريها، ولا دول العبور التي تتلقى تمويلاً أوروبياً مقابل إبقاء الحدود مشدودة.
تكلفة الرحلة تُفقر اللاجئة قبل وصولها إلى أي مخيم أو مدينة. الأسرة التي تبيع ما تبقى من أرض أو حلي أو ماشية لتموّل رحلة واحدة تصل إلى مصر أو تشاد مثقلة بديون تُحدّد مسارها الاقتصادي لسنوات. الدائن ليس مصرفاً خيرياً، بل هو غالباً سمسار التهريب نفسه أو وسيط محلي مرتبط به. هذه الديون تُلقي بالمرأة في أول وظيفة متاحة بأي أجر، إذ لا وقت للمفاوضة ولا مساحة للرفض حين يكون الدائن ينتظر وحاجته اليومية للإيجار والطعام لا تحتمل التأجيل. الدَّين كأداة تحكم في قوة العمل ليس استثناءً في تجربة اللجوء، بل هو قاعدتها المنظِّمة، وهو ما يذكّرنا بتحليل روزا لوكسمبورغ لتراكم رأس المال الأولي عبر استعباد الشعوب.
الجسد الأنثوي في الطريق يتحوّل إلى وسيلة دفع بديلة حين ينفد المال وتُغلق كل الخيارات. هذا ليس انتهاكات عشوائية لرجال خارجين عن السيطرة، بل هو منطق موضوعي لعلاقة قوى واضحة: المرأة بلا نقود، والسمسار أو حارس الحدود أو قائد المجموعة يملك القرار في السماح بالعبور أو منعه. العنف الجنسي في مراكز الاحتجاز غير الرسمية وفي غرف السماسرة وفي الطرقات المظلمة على الحدود ليس نتاج شهوة جنسية منفلتة، بل هو استغلال مادي لوضع اقتصادي مُعاش يجعل الامتثال ثمناً للعبور والبقاء. المرأة الحامل التي تصل إلى المخيم حاملةً جنيناً من الطريق تحمل معها شهادة اقتصادية وليس فقط جرحاً شخصياً، فهي تثبت أنها دفعت ما تملك وما لا تملك كي تعبر.
الأطفال في الطريق يُكثّفون أعباء الأمهات اللواتي يُسافرن بلا رفيق ذكر، وهن الأغلبية الساحقة في هذه الرحلة بعد أن قُتل أو اعتُقل أو اختفى الرجال. الأم المسؤولة عن طفلين أو ثلاثة هي الأكثر هشاشة أمام السماسرة، لأنها لا تستطيع المجازفة بالرفض حين يكون أطفالها جائعين أو خائفين أو مرضى. الأطفال غير المصحوبين الذين يفقدون أمهاتهم في الطريق – بسبب الموت أو الاعتقال أو مجرد الانفصال في فوضى العبور – يدخلون مباشرة في شبكات استغلال الأطفال، من التسول إلى العمل الجبري إلى أسوأ أشكال الاتجار. لا أحد يبحث عنهم بنفس الإلحاح الذي تبحث به دول الشمال عن طفل أوروبي مفقود، لأن قيمة حياة الطفل الأفريقي في سوق الرأسمالية العالمية أقل بكثير.
الحدود كمؤسسة ليست محايدة. من يعبر بسهولة ومن لا يعبر يحكمه المال واللون والجنسية والجندر، بنفس التراتبية التي تحكم أسواق العمل العالمية. المعاملة التفضيلية الفاضحة التي تلقّتها اللاجئات الأوكرانيات في أوروبا سنة 2022 مقارنة بالأفريقيات والآسيويات في أي عام ليست خللاً في التطبيق أو مؤشراً على عنصرية أفراد، بل هي تعبير صريح عن التراتبية العنصرية المبنية في صميم القانون الدولي للاجئين وسياسات الهجرة لدول الشمال. أوكرانيا بيضاء ومسيحية وقريبة جغرافياً، لذلك فهي تستحق أبواباً مفتوحة. السودان أسود ومسلم وبعيد، لذلك يستحق أسلاكاً شائكة ومراكز احتجاز وسماسرة تهريب. كما قال غرامشي: "الدولة هي الهيمنة المدرّعة بالإكراه." الحدود هي إكراه المهيمنين مدرّعاً بالقانون الدولي وبموافقة الضمير الإنساني المزيف.
النضال مستمر،،
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|