|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
ميشيل الرائي
!--a>
2026 / 6 / 11
الكتابة الى اميمة بنت ملاك
يوم أمس تلقيت اتصالًا من صديقة مغربية وناشطة نسوية، وذلك بعد قراءتها لمقالي الأخير: «علمتني امرأة أمازيغية: ثلاث ساعات في مطار محمد الخامس». سألتني: لماذا تكتب عن المرأة رغم أنني أعرف أنك لا تفضّل بناء علاقات أو لقاءات معها بالمعنى الشخصي المتداول؟
أجبتها بأن علاقتي بالكتابة عن المرأة لا تنطلق من اهتمام شخصي بها بقدر ما تنطلق من اهتمام فكري وحضاري بما تمثله داخل المجتمع فالمرأة في نظري ليست مجرد فرد أو فئة اجتماعية وإنما مؤشر يكشف طبيعة الوعي الذي ينتجه المجتمع عن الإنسان وعن الحرية وعن الكرامة
أنا لا أتعامل مع المرأة بوصفها قضية نسوية بالمعنى الضيق بل بوصفها سؤالًا فلسفيًا يتعلق بفكرة الإنسان نفسها لأن كل مجتمع يكشف من خلال موقع المرأة فيه حدود وعيه وحدود قدرته على الاعتراف بالآخر بوصفه ذاتًا كاملة لا مجرد وظيفة أو صورة أو دور اجتماعي
لهذا أقيس تحضر المدن والمجتمعات من خلال موقع المرأة فيها كما أقيسه من خلال نظرة المرأة إلى ذاتها فعندما لا ترى المرأة نفسها إلا من خلال الجسد أو عندما يصبح الجسد المرجعية الوحيدة لتعريف قيمتها فإننا لا نكون أمام أزمة فردية بل أمام اختلال ثقافي ومعرفي عميق لأن الإنسان لا يختزل في جسده وإنما يتحقق عبر وعيه وقدرته على التفكير والإبداع وإنتاج المعنى
من هنا تأتي كتابتي عن المرأة فهي ليست كتابة عن العاطفة ولا عن الرغبة ولا عن العلاقات الشخصية وإنما كتابة عن إحدى القضايا الأكثر اتصالًا بفكرة الحضارة نفسها فالطريقة التي يحضر بها الإنسان في المجال العام والطريقة التي يمنح بها حق المعرفة والتعبير والاختيار تكشف مستوى الرقي الذي بلغته الجماعة البشرية
لذلك لا أرى المرأة موضوعًا للكتابة بقدر ما أراها أداة لقراءة المجتمع ومرآة تكشف بنيته العميقة فكلما اتسعت مساحة وعي المرأة بذاتها كذات عاقلة وحرة وقادرة على إنتاج المعرفة اتسعت معها مساحة الإنسانية داخل المجتمع كله وكلما تحررت من الاختزال تحرر المجتمع بدوره من جزء كبير من أوهامه التاريخية
لذلك يصعب علي الانسجام مع بعض الأنماط التي يظهر فيها ضعف واضح في ترسيم الحدود داخل العلاقات حيث يختلط الاعتماد العاطفي بالتماهي مع الآخر فتتراجع مساحة القرار الذاتي لصالح التوجيه الخارجي سواء كان مصدره شريكًا أو منظومة اجتماعية أوسع من منظور نفسي التحرر لا يُفهم كخطاب نظري أو تبنٍ لمفاهيم مجردة بل كقدرة عملية على تحويل القيم إلى سلوك واتخاذ القرار وتحمل نتائجه وإدارة العلاقة مع الآخر دون فقدان الهوية الفردية فالمساواة والاستقلال لا يقاسان بالشعارات بل بمدى القدرة على ممارسة الاختيار تحت ضغط الواقع لا في مستوى التصور فقط لذلك لا أجد نفسي منسجمًا مع الحالات التي يظهر فيها انفصال بين الوعي الفكري بالاستقلال وبين الممارسة الفعلية له حيث يتم تفويض القرار أو تحميل الآخر مسؤولية التوجيه والحماية أو منح الشرعية وفي هذا السياق تُفهم القوة لا بوصفها سيطرة أو تفوقًا بل بوصفها كفاءة نفسية في اتخاذ القرار وتحمل تبعاته داخل العلاقة وبناء على ذلك أميل إلى تفضيل العلاقات التي تقوم على توازن واضح في الاستقلالية النفسية حيث يُنظر إلى الذات ككيان مكتمل نسبيًا لا كامتداد لوعي آخر وتمارس الحرية باعتبارها سلوكًا يوميًا قابلًا للاختبار لا مجرد تصور فكري مجرد :::