|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
ميشيل الرائي
!--a>
2026 / 6 / 11
الكتابة الى المناضلة المغربية اليسارية اميمة بنت ملاك
في السابعة عشرة من عمري أقلّتني طائرة من تركيا إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء ومنها كان يفترض أن أتابع رحلتي إلى باريس لم أكن أعرف يومها أن ثلاث ساعات انتظار في صالة عبور ستبقى عالقة في ذاكرتي أكثر من مدن كثيرة عبرتها لاحقاً
كنت أحمل بين يدي مجموعة شعرية بالفرنسية للشاعر اللبناني صلاح ستيتية جلست أقرأ في صالة الانتظار قبل أن تستأذن امرأة مغربية في الجلوس إلى جواري كانت تكبرني سناً أمازيغية الملامح والهوية وتتحدث الفرنسية بطلاقة وإن كانت بعض الجمل تحمل أثراً خفيفاً من لغتها الأم
لم يبدأ الحديث من التعارف بل من الكتاب سألتني عنه ثم أخذنا نتحدث عن الشعر والأدب قبل أن ينفتح الحوار على المسرح المغربي أخبرتني أنها درست المسرح في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط ومن هناك بدأت أسماء المسرحيين المغاربة تتدفق في الحديث محمد تيمد محمد الكغاط الطيب الصديقي الطيب العلج عبد الكريم برشيد وغيرهم
ما زلت أذكر دهشتي آنذاك كنت في السابعة عشرة أتهيأ لاكتشاف العالم لكنني لم أتوقع أن أجد في صالة انتظار مطار حواراً بهذا العمق كانت المرأة تتحدث عن المسرح بوصفه جزءاً من الحياة لا مجرد اختصاص أكاديمي أو نشاط ثقافي ولعل ما شدّني أكثر هو تلك العلاقة الطبيعية التي كانت تقيمها بين المعرفة واليومي بين الثقافة والإنسان
لا أتذكر أننا تبادلنا أسماءنا وربما لهذا السبب بقيت صورتها أكثر حضوراً من اسمها أتذكر فقط أنها قبل أن نفترق قالت لي إن شعري جميل ثم سألتني عن نوع العطر الذي أستعمله كان ذلك تعليقاً عابراً لكنه منح اللقاء كله شيئاً من الألفة الإنسانية التي يصعب تفسيرها
انتهت الساعات الثلاث وغادرت المرأة إلى وجهتها بينما تابعت أنا رحلتي إلى باريس غير أن ما انتهى زمنياً لم ينتهِ في الذاكرة بعد سنوات كتبت عنها مقالاً بعنوان علمتني امرأة أمازيغية لأنني شعرت أن ذلك اللقاء لم يكن مجرد مصادفة عابرة بل درساً غير مباشر في معنى الثقافة وحضورها في الحياة اليومية
ومنذ ذلك اليوم بقيت أكنّ احتراماً خاصاً للمرأة المغربية المثقفة ليس بسبب ذلك اللقاء وحده بل لأن تلك الساعات الثلاث كانت نافذة أولى على عالم لم أكن أعرفه عن قرب وربما لهذا السبب ما زلت أعود إليها بين الحين والآخر كأنها لم تكن ثلاث ساعات في مطار بل بداية حوار طويل لم ينتهِ بعد
كتبت عنها لاحقاً مقالاً مطولاً نُشر في إحدى الصحف العربية بعنوان «علمتني امرأة أمازيغية»، ومنذ ذلك النص بدأت تتخذ تلك التجربة في داخلي شكلاً أكثر وضوحاً وعمقاً، لم تعد مجرد ذكرى عابرة في صالة انتظار، بل تحولت إلى زاوية رؤية أرى من خلالها المرأة المغربية المثقفة بوصفها حضوراً حياً لا فكرة جاهزة أو انطباعاً عابراً.
ومنذ ذلك الوقت ترسّخ في داخلي نوع من الاحترام الخاص لهذا الامتداد الإنساني والثقافي، وكأن ذلك اللقاء القصير كان العتبة الأولى لفهم أوسع وأكثر تعقيداً مما كنت أتصور.
غير أن هذا المعنى ظل مفتوحاً وغير مكتمل، إلى أن ظهرت أميمة لاحقاً في حياتي، فبدت وكأنها لا تقطع مع تلك الذاكرة الأولى بل تواصلها من داخلها. ومن خلالها اقتربت أكثر من تفاصيل المرأة الأمازيغية لا بوصفها صورة محفوظة في الذاكرة، بل كحضور يومي حيّ يعيد تشكيل ذلك الأثر الأول ويمنحه طبقات جديدة من المعنى.
وهكذا لم تعد الحكاية مجرد ثلاث ساعات عابرة في مطار، بل خيطاً خفياً ممتداً بدأ بلقاء مفاجئ، واستمر عبر الزمن في شكل تجربة إنسانية تتوسع كلما ابتعدت عنها في الذاكرة.