5. المخيم: مصنع الهشاشة وأداة الضبط الاجتماعي



عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 6 / 13

المخيم ليس حلاً مؤقتاً للإيواء في انتظار انتهاء الحرب. هو مؤسسة دائمة الطابع تُدار بأسلوب المؤقت لتبرير غياب الحقوق الدائمة، وهو أحدث ابتكارات الرأسمالية لإدارة الفائض البشري الذي تنتجه حروبها. أقدم مخيمات اللاجئين الفلسطينيين تجاوز عمرها سبعة عقود ولا تزال "مؤقتة"، ومخيمات تشاد الممتلئة بسودانيين منذ 2003 تستقبل الآن موجات 2023 وكأنها جديدة. المؤقت حين يصبح دائماً هو بالضبط ما تحتاجه آلة تراكم رأس المال: بشر يقبعون في منطقة رمادية بين الحياة والموت، لا حقوق لهم، ولا مواطنة، ولا أرض، ولا أمل في العودة القريبة، لكنهم أحياء بما يكفي ليكونوا جاهزين للاستغلال في أي لحظة.

أكثر من مليون سوداني في تشاد، وما يقاربه في مصر، وعشرات الآلاف في إثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا. هذا التوزيع ليس عشوائياً ولا يعكس فقط قرب الجغرافيا. فاللاجئون يتمركزون في الدول الأفقر لأن السياسة الدولية لتوزيع "عبء اللجوء" صُممت خصيصاً لتحميل دول الجوار المنهكة اقتصادياً الجزء الأكبر من هذا العبء، فيما تُقدّم الدول الغنية مساهمات مالية رمزية لإبقاء اللاجئين بعيداً عن حدودها. التمويل الدولي للمخيمات هو في جوهره دفع للاستعانة بمصادر خارجية لإدارة مشكلة خلقها نظام التفاوت العالمي نفسه. فالدول التي تبيع السلاح لأطراف الحرب والتي تلوّث المناخ والتي تستنزف موارد الجنوب هي نفسها التي تدفع بضعة ملايين لوكالات الأمم المتحدة كي تبني خيماً في الصحراء التشادية.

اقتصاد المخيم الداخلي يُعيد إنتاج علاقات السوق داخل فضاء الإغاثة، لكن بصورة أكثر وحشية لأنها تفتقر إلى أي تنظيم أو قانون. المساعدات الغذائية تُوزَّع وفق شبكات من السلطة التي يتحكم بها موظفو المنظمات بالتحالف مع زعماء المخيمات الذين غالباً ما يكونون رجالاً يعيدون إنتاج الأبوية ذاتها التي هربت منها النساء. الأسواق غير الرسمية تنشأ فوراً لأن التوزيع الرسمي لا يكفي أحداً، فتضطر اللاجئة لبيع جزء من حصتها الغذائية لشراء دواء أو حطب أو خدمات أخرى. الديون تتراكم بين المقيمين بفائدة ربوية خفية، والصراعات على الموارد تنشب يومياً. هذا الاقتصاد الداخلي لا يختلف في منطقه عن أي سوق رأسمالي: من يملك الوصول إلى الموارد – عبر واسطة أو رشوة أو قوة جسدية – يتحكم في من لا يملكه. والنساء في هذا الاقتصاد الداخلي هن غالباً في موقع الأضعف، لأن أجسادهن أقل قدرة على العنف، وشبكات علاقاتهن أضعف، ومسؤوليات الرعاية تمنعهن من المشاركة في سباق البقاء.

الجندر داخل المخيم ينتج ضغطاً مضاعفاً لا يحتمل. العمل غير المرئي للرعاية – الطهو والتنظيف ورعاية الأطفال والمرضى وكبار السن وجلب الماء والحطب – يقع كله على عاتق النساء دون أجر ودون اعتراف ودون إدراج في أي إحصاء رسمي. هذا العمل هو ما يُبقي المخيم قائماً، وهو ما يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة يومياً، لكنه يبقى خارج حسابات "المساعدات الإنسانية" التي تركز على الغذاء والدواء فقط. في الوقت نفسه، المخيم يُكثّف العنف ضد النساء لأن الاكتظاظ وانعدام الخصوصية والأبنية المؤقتة والبطالة الكاملة والإحباط المزمن تُنتج بيئة من التوتر والغضب تتحمل النساء ثمنها جسدياً ونفسياً. تقارير المنظمات الدولية تتحدث بانتظام عن "ارتفاع حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي في المخيمات"، لكنها تتحدث عنه كظاهرة طارئة يمكن علاجها ببعض الدورات التوعوية، وليس كنتيجة حتمية لبنية المخيم كآلة لإنتاج الهشاشة.

المخيم كمؤسسة ضبط اجتماعي يشتغل عبر تقييد الحركة في المقام الأول. اللاجئ في معظم الدول المضيفة يحتاج إلى إذن رسمي للمغادرة من المخيم، يُرقَّم ويُسجَّل ويُتتَبَّع رقمياً وجغرافياً. هذا التسجيل ليس لحماية اللاجئ بل لإدارته كسلعة وموضوع. فالبيانات التي تجمعها مفوضية اللاجئين وشركاؤها من المنظمات لا تُستخدم في خدمة حاجات اللاجئين أنفسهم بقدر ما تُستخدم في صنع القرار السياسي الدولي حول توزيع التمويل وإعادة التوطين وإحصاءات "العبء". المخيم يُنتج إنساناً مُصنَّفاً ومُرمَّزاً وقابلاً للإدارة، إنساناً بلا حقوق ولكنه مرقّم، بلا صوت ولكنه مسجّل. هذا بالضبط ما تحتاجه بيروقراطيات الإغاثة التي تزدهر بتدفق الأرقام والميزانيات.

المنظمات الدولية ليست خيرية محايدة تعمل لمصلحة اللاجئ. مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تعمل وفق تفويض أممي تُحدّد ملامحه الدول المانحة الكبرى – الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا والسويد – وهي الدول نفسها التي تُغلق حدودها أمام اللاجئين وتُموّل الحروب التي تُنتجهم وتبيع السلاح للميليشيات التي تُهجّرهم. المنظمات غير الحكومية الكبرى تُحرّك ميزانيات ضخمة تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، معظمها يذهب إلى رواتب الكوادر الدولية والإدارة اللوجستية والسفر بالدرجة الأولى، بينما يصل جزء ضئيل إلى اللاجئ في شكل خيمة أو جولة مساعدات. "اقتصاد الإغاثة" هو صناعة مربحة لمن يديرها، وصناعة إدامة البؤس لمن يعيشها. وكما قال فانون: "المستعمِر لا يمنح المستعمَر شيئاً مجاناً. فما يُعطى هو ثمن ما أُخذ."

السؤال الجذري الذي يرفض الخطاب الإنساني طرحه هو: هل تحلّ المساعدات الإنسانية الأزمة أم تُديرها لصالح من يستفيد من استمرارها؟ ليس ثمة توطين حقيقي في المخيمات، ولا استقلال اقتصادي، ولا مشاركة سياسية، ولا تعليم يُخرج من دائرة الجهل، ولا تدريب مهني يوفر دخلاً كريماً. ثمة إبقاء على الحياة في حدودها الدنيا، ثمة إطعام وعلاج أولي وإيواء مؤقت، ريثما تُحسم التوازنات الجيوعسكرية التي تحكم مسار الحروب. المرأة السودانية في مخيم في شرق تشاد لا تنتظر "العودة الطوعية" كما يسميها الخطاب الإنساني، بل تنتظر انهيار النظام الذي وضعها هناك، أو انتهاء الحرب التي قد تستمر أعواماً، أو موتاً يريحها من هذا التعليق بين السماء والأرض. كما قالت روزا لوكسمبورغ: "من لا يتحرك لا يشعر بقيوده" ، لكن من يتحرك في المخيم يشعر بكل قيد من نوع آخر. المخيم ليس فضاءً للحركة بل فضاءً للتعليق، ليس مكاناً للحياة بل مكاناً لإدارة الموت البطيء.

النضال مستمر،،