6. الاقتصاد السياسي للبقاء الجسدي



عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 6 / 15

بعد انهيار كل وسائل الإنتاج التقليدية – الأرض، الأداة، رأس المال الصغير، شبكات الأسرة الممتدة – لا يبقى للمرأة سوى جسدها. وهذا الجسد ليس عضواً بيولوجياً فقط، بل هو وسيلة إنتاج أخيرة، وآخر سلعة تملكها قبل أن تصبح هي نفسها سلعة كاملة. التحليل المادي لا يمكنه أن يتوقف عند وصف هذا المشهد بأسى أو رثاء، بل يجب أن يفهم كيف تعمل الآليات التي تجعل من علاقات كهذه – الزواج المبكر، الجنس مقابل البقاء، الاتجار بالبشر – استجابات عقلانية لظروف اللاعقلانية المطلقة التي تنتجها الرأسمالية والحرب. إدانة هذه الممارسات أخلاقياً لا تكفي، بل إنها قد تكون عائقاً أمام فهم وظيفتها الاقتصادية في إعادة إنتاج النظام نفسه.

الزواج المبكر في سياق اللجوء ليس "تخلفاً ثقافياً" يُحمَل كوصمة على جبين المجتمعات السودانية، بل هو استجابة اقتصادية عقلانية لأسر تحت ضغط البقاء اليومي. الأب الذي يزوّج ابنته البالغة خمس عشرة سنة لا يتصرف بدافع وحشية أخلاقية، بل بمنطق من يريد تقليل عدد الأفواه التي لا يستطيع إطعامها ونقل عبء حمايتها المادية والجسدية إلى طرف آخر، أي إلى زوج يملك مورداً ما – خيمة، حصة مساعدات، وظيفة بسيطة، أو حتى مجرد عضوية في مجموعة مسلحة توفر حماية نسبية. هذه الاستراتيجية الأسرية مفهومة تماماً ضمن شروطها المادية القاسية، وإدانتها الأخلاقية دون تغيير تلك الشروط هي وعظ فارغ يخدم مصالح النظام القائم الذي يريد إبقاء الضحايا مشغولين بالندم على خياراتهم بدلاً من تدمير أسبابها.

"الزواج الإنساني" أو زواج الإقامة – أي الزواج من مواطن بلد اللجوء كمسار للحصول على وثيقة إقامة قانونية – هو الشكل الأكثر انتشاراً وأقل توثيقاً من أشكال الاستغلال الجسدي في الشتات السوداني. المرأة التي تتزوج للحصول على وثيقة تمكنها من البقاء في ليبيا أو تركيا أو الخليج تدخل في علاقة قانونية غير متكافئة تماماً، تُسلّم فيها وضعها القانوني كاملاً لطرف واحد يمكنه – في أي لحظة – سحب تلك الوثيقة بطلب الطلاق أو التبليغ عنها. هذا العقد لا يختلف وظيفياً عن أي عقد عمل يُقيّد العامل بصاحب العمل لأن الأول لا يملك بديلاً، لكنه أسوأ لأن الاستغلال هنا يتسلل إلى الفراش والبيت والجسد معاً. الرأسمالية لا تحتاج إلى إعلان هذا النوع من الزواج كجريمة، بل تحتاج إلى بقائه كحل "إنساني" يمنع تدفق لاجئين جدد إلى أسواق العمل الرسمية التي لا تريدهم.

الجنس مقابل البقاء المادي – سواء كان مقابل سقف يؤوي، أو طعام يسد الرمق، أو حماية من عنف آخر – يتخذ أشكالاً متعددة في اقتصاد اللجوء، من العلاقات "العابرة" مع حراس المخيمات أو موظفي المنظمات، إلى ما يشبه الزيجات العرفية قصيرة الأجل مع تجار أو مهربين، إلى شبكات الدعارة المقنعة التي تعمل خلف أبواب شقق مستأجرة بأسماء وهمية. الفارق بين الإكراه الصريح والقبول الظاهري لا يُلغى بمجرد وجود "قبول" حين تكون البدائل الحقيقية هي الجوع، والتشرد، والترحيل القسري، أو الموت. "الأصدقاء" الذين يوفرون سكناً أو طعاماً أو حماية في مقابل علاقات جنسية "طوعية" يُمثّلون بنية استغلال واسعة الانتشار في المخيمات والمدن على حد سواء، بنية تستفيد من الفقر المدقع لتُعيد إنتاج علاقات الهيمنة الذكورية تحت غطاء "العلاقات الشخصية".

الاتجار بالبشر هو الوجه الأكثر تنظيماً واستدامة لهذا النظام، لكنه ليس انحرافاً إجرامياً على هامش اقتصاد سليم، بل هو صناعة بمليارات الدولارات تُغذّيها بنية الطلب والعرض في اقتصادات "شرعية" تحتاج عملاً رخيصاً غير موثق. المتاجر بالبشر لا يعمل في فراغ، بل يعمل في خدمة مزارع ومصانع ومنازل ومشاريع إنشائية تحتاج إلى أيادٍ عاملة لا تملك ورقة تطلب بها حقاً أو حداً أدنى للأجر. الدول التي تجرّم الاتجار بالبشر هي نفس الدول التي تستوعب ناتج هذا الاتجار في اقتصادها الرسمي – الخادمات المنزليات، عاملات المزارع الموسمية، بائعات الهوى المقنّعات – دون أن تسأل عن كيفية وصول هؤلاء النساء إلى هناك. تجريم الاتجار دون تجريم استيعاب ناتجه هو نفاق قانوني وظيفته حماية أصحاب العمل لا إنقاذ الضحايا.

هذا كله ليس "سلوكاً منحرفاً" لنساء فقدن أخلاقهن بسبب الحرب، بل هو تكيف عقلاني مع بيئة ألغت كل البدائل الاقتصادية الأخرى. المرأة التي تبيع جسدها للبقاء لا تقوم بفعل مختلف جوهرياً عن العامل الذي يبيع عضلاته في المصنع أو الموظف الذي يبيع وقته في المكتب، الفارق فقط أن سلعتها أقرب إلى جلدها، وأكثر حميمية، وبالتالي أكثر وصماً وإذلالاً. لكن الرأسمالية لا تهتم بالوصم، بل تهتم بإنتاج واستغلال كل سلعة يمكن بيعها. والجسد الأنثوي في سياق اللجوء يصبح سلعة فائقة الربح لأن سعرها يُحدده ليس العرض والطلب فقط، بل حقيقة أن البائعة لا تملك أي بديل ولا أي حق في رفع السعر.

الجسد في اقتصاد اللجوء يصبح رأس المال الأخير والأوحد، لكنه رأس مال استهلاكي لا تراكمي. فالمرأة التي تستخدم جسدها بهذه الطريقة لا تبني منه مستقبلاً، ولا تحوّله إلى أرض أو منزل أو تعليم لأطفالها، بل تستنزفه يوماً بعد يوم: صحياً، نفسياً، عمراً، وإمكانية بناء علاقة إنسانية خارجة عن منطق السوق. الرأسمالية تحتاج إلى استهلاك هذا الجسد، لكنها لا تحتاج إلى بقائه لفترة طويلة. فهناك دائماً لاجئة جديدة تصل، وأخرى أصغر سناً، وأخرى أكثر يأساً، وأخرى أقل ثمناً. هذه الدورة – إنتاج اللاجئات، استنزاف أجسادهن، ثم التخلص منهن – هي ما يسميه ماركس "الاستهلاك الإنتاجي لقوة العمل"، لكنه هنا يصل إلى ذروته المكشوفة، بلا نقابات، بلا قوانين، بلا ضمير جمعي يعترض.

كما قالت أنجيلا كولونتاي في بداية القرن العشرين: "تحرر المرأة مستحيل دون تحرر اقتصادي كامل، والحرية الاقتصادية المنقوصة تُنتج استعباداً جنسياً ضرورياً للنظام." هذه الجملة كتبت قبل أن تعرف كولونتاي مخيمات اللاجئين، لكنها تصف بدقة ما تعيشه آلاف النساء السودانيات اليوم. الاستعباد الجنسي ليس فضيحة جانبية في نظام الرأسمالية، بل هو أحد أعمدة إعادة إنتاجها، خاصة في لحظات انهيارها الأكثر وحشية. مواجهته لا تكون بالوعظ الأخلاقي أو بقوانين تجرّم البائعة وتُبيح المشتري، بل بتدمير النظام الذي يجعل الجسد السلعة الأخيرة.

النضال مستمر،،