7. الصحة النفسية كاستغلال ورأسمال



عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 6 / 17

الصدمة النفسية في سياق اللجوء سلعة، وأداة ضبط، وحقل استثمار للصناعات الدوائية والمنظمات الإنسانية على حد سواء. تحويل معاناة المرأة السودانية إلى "اضطراب ما بعد الصدمة" يمكن تشخيصه وتصنيفه وعلاجه ببروتوكولات موحدة ليس تقدماً طبياً محايداً، بل هو استيلاء رأسمالي على الألم، وإعادة صياغته كلغة تقنية تخلع منه أبعاده السياسية وتُخرج من دائرة المسؤولية من أنتجه أصلاً. الصدمة الحقيقية ليست في رأس اللاجئة، بل في بنية العالم الذي قصف بيتها واغتصب جسدها ودفعها إلى المخيم.

الخطاب الإنساني المعاصر يجعل من الصحة النفسية أولوية كبرى في الاستجابة للاجئين، وهذا يبدو للوهلة الأولى تقدماً في الوعي بحقوق الإنسان. لكن الماركسية ترى ما وراء الظاهر: تحويل المشكلات البنيوية إلى مشكلات فردية نفسية هو آلية كلاسيكية للإبقاء على النظام كما هو. المرأة التي فقدت أرضها وزوجها وأطفالها ووطنها لا تحتاج أولاً إلى جلسة "تفريغ انفعالي" مع أخصائية نفسية تتقاضى أجراً من منظمة دولية، بل تحتاج إلى استعادة أرضها، ومحاكمة من اغتصبوا ابنتها، وإسقاط النظام الذي صنع حربها. تقديم "الدعم النفسي" بديلاً عن العدالة والثروة والعودة هو خداع مؤسسي: يُشعر المانحين أنهم يفعلون شيئاً، ويُشعر اللاجئات أنهن يتلقين مساعدة، لكن البنية تبقى سليمة.

منظمات الصحة النفسية الدولية، وشركات الأدوية العملاقة التي تنتج مضادات الاكتئاب والقلق، والجامعات التي تمول أبحاث "صدمة اللاجئين" تشكل معاً صناعة ضخمة تستفيد اقتصادياً وسياسياً من استمرار إنتاج اللاجئين وليس من حل أسباب لجوئهم. فكلما طالت الحرب، زادت حاجة اللاجئات إلى "العلاج"، وزاد تمويل المنظمات، وزادت مبيعات الأدوية، وزادت أبحاث "ما بعد الصدمة" التي تُنشر في مجلات مرموقة وتُدرّ أرباحاً للجامعات. هذه الصناعة لا تختلف في منطقها عن صناعة السلاح التي تبيع للميليشيات من جهة وللدول من جهة أخرى. طرف يبيع الرصاص، وطرف يبيع المهدئات، والنظام كله يبيع استمرار الألم.

"اضطراب ما بعد الصدمة" كمفهوم سريري وُلد في سياق أميركي لوصف صدمات قدامى المحاربين في فيتنام، ثم تم تصديره إلى بقية العالم كقالب جامد لقراءة المعاناة الإنسانية. هذا القالب لا يناسب بالضرورة تجارب النساء السودانيات اللواتي يعشن صدمات مركبة ومتتالية: حرب، اغتصاب، تهجير، مخيم، عمل قسري، عنصرية، فقدان متواصل. تحويل هذا التراكم التاريخي إلى "تشخيص" فردي يُختزل في استبيان من عشرين سؤالاً هو عنف معرفي إضافي، يُجبر المرأة على رواية ألمها بلغة لا تعكس تعقيده، ويُخرج من المعادلة كل من هو مسؤول عن هذا الألم.

في غياب أي تغيير في الظروف المادية، تتحول الصحة النفسية إلى أداة لإلقاء اللوم على الضحية. المرأة التي تعاني من الكوابيس والأرق والبكاء المتكرر توصف بأنها "غير متكيفة" أو "مقاومة للعلاج"، بدلاً من وصف ظروفها بأنها لا تطاق. المرأة التي يرفض جسدها الاستجابة للعلاج الدوائي توصف بأنها "حالة صعبة"، بدلاً من الاعتراف بأن صدمتها ليست مرضاً عابراً بل استجابة طبيعية لظروف غير طبيعية. هذا التحويل يجعل المرأة مسؤولة عن شفائها، بينما يظل النظام الذي جرحها بمنأى عن أي مساءلة.

الدعم النفسي في المخيمات غالباً ما يُقدَّم في إطار "بناء المرونة" و"التكيف الإيجابي"، أي تعليم المرأة كيف تتحمل وتستمر ولا تغضب ولا تنهار، وكيف تتقبل واقعها الجديد كحتمية لا مفر منها. هذا النوع من الدعم هو تدريب على الخضوع، وتربية على الصبر تحت القصف، ومشروع لإنتاج لاجئات هادئات لا يهددن الاستقرار الاجتماعي في دول المضيف ولا يثرن المشاكل السياسية. فالمرأة "المتعافية نفسياً" هي التي لا تنظم احتجاجاً على سوء أوضاع المخيم، ولا تشتكي لوسائل الإعلام، ولا تطالب بحقوقها، بل تكتفي بالجلسات وتمارين التنفس.

قابلية المرأة السودانية للاستغلال في هذا الحقل تتضاعف لأن "الصدمة" عندها تُقرأ من خلال عدسات عنصرية متعددة: جسدها الأسود يُفترض أنه أكثر تحملاً للألم (لذا تبرير عدم توفير مسكنات كافية)، وعقلها "البدائي" يُفترض أنه أقل تعقيداً (لذا علاجها يحتاج بروتوكولات مبسطة)، وحزنها يُفسر غالباً على أنه "كآبة استوائية" وليس رداً على ظلم منظم. هذه التراتبية العنصرية في تقديم الخدمات النفسية موثقة في كل المخيمات التي تستقبل أفارقة، وهي تُعيد إنتاج الاستعمار المعرفي: الغربي يعرف ما هو الصواب النفسي، والأفريقي يحتاج إلى تعلمه.

المقاومة تبدأ هنا بالقول: إن معاناتكم ليست مرضا فردياً، بل هي جرح سياسي جماعي. الحل ليس في حبوب السيتالوبرام وجلسات التنفس العميق، بل في تغيير الظروف التي تنتج الصدمة يومياً. المسار الصحيح للصحة النفسية للاجئة السودانية ليس عبر عيادات المنظمات، بل عبر إنهاء الحرب، واستعادة الأرض، ومحاكمة المجرمين، وتوزيع الثروة، وإلغاء سياسات الحدود العنصرية. أي "علاج" يتجاهل هذه الحقيقة هو إدارة للأزمة لا حلها، وهو في النهاية ترياق يمنع الانفجار الثوري.

كما قال فرانز فانون، الطبيب النفسي الثوري الذي عالج ضحايا التعذيب في حرب الجزائر: "التحرر الوطني هو وحده الذي يمكنه إعادة الكرامة النفسية للمستعمَرين." كل جلسة علاج نفسي في مخيم لا تنتهي بدعوة إلى النضال السياسي هي جلسة تهدئة ممنهجة. فانون لم يعط مرضاه المهدئات فقط، بل ساعدهم على فهم أن مرضهم اسمه الاستعمار، وأن العلاج الوحيد هو إسقاطه. النساء السودانيات في مخيمات تشاد وأحياء القاهرة بحاجة إلى نفس الفهم: ألمكن ليس مرضاً شخصياً، بل هو اسم آخر للرأسمالية والإمبريالية والأبوية المتوحشة. والنضال ضدهن هو الدواء الوحيد.

النضال مستمر،،