التمييز القانوني والمعاناة اليومية للمرأة السودانية



أبية الريح
2026 / 6 / 17

قراءة في واقع الحقوق المغيبة والتحديات الحقيقية
_________________________________________


تتمتع المرأة في القانون الدولي بحقوق أساسية تنبع من مبدأ عدم التمييز، وهي حقوق أقرتها مواثيق الأمم المتحدة والعهود الدولية. تنص المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة على احترام حقوق الإنسان دون تمييز بسبب الجنس، وتؤكد المادة الثانية على حق الشعوب في تقرير مصيرها والمساواة في الحقوق. وتعتبر الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) من أهم المرجعيات القانونية الدولية، إذ تضمن للمرأة حقوقها المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتُلزم الدول الأطراف باتخاذ إجراءات قانونية وسياسية لضمان تلك الحقوق.
يندرج ضمن هذه الحقوق: الحق في التعليم، الحق في العمل، الحق في التملك، الحق في الترشح والانتخاب، الحق في حرية التنقل، والحق في الحماية من العنف والاستغلال. كما شدّدت المواثيق الدولية على حماية المرأة في النزاعات المسلحة، وذلك بموجب اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها، التي تنص على حماية المدنيين ومنهم النساء من كافة أشكال الإيذاء.
رغم هذه الضمانات، فإن وضع المرأة في السودان يُعد من أكثر الأوضاع هشاشة وتعقيدًا. فالتحديات التي تواجهها المرأة السودانية تتجاوز ما يمكن اعتباره انتقاصًا عرضيًا للحقوق، إلى ما يشبه الإقصاء المنهجي، سواء في فترات السلم أو خلال النزاعات. وعلى الرغم من توقيع السودان على اتفاقية "سيداو" بتحفظ، إلا أن الواقع القانوني والاجتماعي لا يزال يعاني من التمييز البنيوي ضد المرأة، ويظهر ذلك في القوانين من الأحوال الشخصية، تدني تمثيل النساء في مواقع اتخاذ القرار، والتضييق على حرية التنقل واللباس، وتقييد دورها في الحياة العامة.
عانت المرأة السودانية لعقود من الهيمنة الثقافية والتشريعية التي كرّست مفاهيم الوصاية والتمييز. قوانين مثل النظام العام سابقًا، مثّلت آلية سلطوية للرقابة الأخلاقية الموجهة ضد النساء تحديدًا، وأنتجت مناخًا من القمع والوصم. وحتى بعد إسقاط هذا القانون عقب الثورة، ظلّ الموروث القانوني والاجتماعي يُضيّق الخناق على المرأة في الفضاء العام. كما تظل معدلات زواج القاصرات والحرمان من التعليم والعمل مرتفعة في مناطق عديدة من السودان، لأسباب ثقافية واقتصادية وسياسية.
أما في زمن الحرب الحالية، فقد بلغت الانتهاكات ضد المرأة مستوى كارثيًا. حيث تعاني النساء في مناطق النزاع من موجات عنف جنسي، تهجير قسري، فقدان المعيل، والحرمان من الرعاية الصحية والتعليمية. وقد أدى الانهيار المؤسسي إلى غياب العدالة، مما جعل النساء في مواجهة مباشرة مع المجموعات المسلحة والانفلات الأمني. يتفاقم ذلك مع غياب التوثيق المحايد، وقيام بعض الجهات بتزييف الحقائق أو توظيف التقارير الدولية لخدمة أجندات سياسية. غير أن روايات الضحايا، وشهادات الناجين، تؤكد أن المرأة السودانية في قلب هذه الكارثة الإنسانية، تدفع الثمن الأكبر بصمت وشجاعة.
المرأة السودانية تعاني في مسار طويل من النسيان والتهميش، تعمّق بفعل القوانين الذكورية والصراعات السياسية، وتفاقم بالحروب والانقلابات والانهيار الاقتصادي. ومع ذلك، كانت دومًا في طليعة الثورات، وساحات المطالبة بالعدالة، ما يجعل من استرداد حقوقها استحقاقًا لتاريخها النضالي العميق.