|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
!--a>
2026 / 6 / 19
ينظر الخطاب الإنساني إلى الطفل اللاجئ بعين الرقة والحماية، فيصنع منه ضحية بريئة تنتظر من ينقذها من وحشية الحرب. هذا الخطاب يخفي حقيقة أن الطفل في اقتصاد اللجوء ليس مجرد موضوع للرعاية، بل هو فاعل اقتصادي منذ لحظة وصوله، وأداة استغلال منذ أول يوم في المخيم، ورأس مال مستقبلي يُعد بعناية ليكون جزءاً من جيش الاحتياط العالمي. الرأسمالية لا تحتاج إلى أطفال سعداء، بل تحتاج إلى أطفال يكبرون وهم يعرفون أن البقاء ثمنه العمل قبل النضج، وأن الحقوق كماليات لا تملكها أجسادهم السمراء.
في المخيمات وأحياء اللجوء الفقيرة، يبدأ الطفل العمل قبل أن يتقن القراءة. الفتى الذي يبيع المناديل عند إشارات المرور، والفتاة التي تنظف منازل الغير مع أمها، والصبي الذي ينقل الماء على حماره في الصحراء، كلهم ليسوا متسولين ولا منحرفين، بل هم عناصر إنتاجية في معادلة البقاء الأسري. عملهم ليس خياراً أخلاقياً، بل شرطاً مادياً لاستمرار الأسرة، وفي غيابه ينهار الإيجار ويجوع الصغار ويمرض الكبار. تحويل هذا الواقع إلى "قضية عمالة أطفال" تحتاج إلى حملات توعية هو إعادة إنتاج للعمى البنيوي: ليست المشكلة أن الأطفال يعملون، بل أن الظروف تجعل العمل شرطاً للحياة، وأن هذا العمل لا يفضي إلى مستقبل بل إلى مزيد من الاستغلال.
التعليم في سياق اللجوء ليس حقاً مكفولاً، بل رفاهية لا تستطيع تحملها إلا القلة. الانقطاع عن المدرسة ليس نتيجة اختيار أسري متخلف، بل نتيجة حتمية لواقع يضع التعليم في مرتبة ثانية بعد الخبز والسكن والدواء. الرسوم المدرسية مرتفعة، وشهادات الميلاد غير معترف بها، والزي المدرسي والكتب والمواصلات تكاليف تفوق دخل الأسرة الذي لا يغطي حتى الإيجار. الطفل الذي لا يذهب إلى المدرسة لا يضيع مستقبله فقط، بل يخسر أيضاً فرصة الخروج من دائرة الفقر التي ولد فيها، ويُساق إلى سوق العمل غير الرسمي دون أي مؤهل، فيعيد إنتاج هشاشة أمه وأبيه في جيل جديد.
الفتيات يدفعن ثمناً مضاعفاً لهذا الحرمان. في مجتمعات أبوية تنظر إلى تعليم الأنثى كاستثمار أقل ربحية من تعليم الذكر، ومع اشتداد ضغط الموارد في المنفى، يزداد هذا التوجه حدة حتى يصير قاعدة. الأسرة تستثمر ما تبقى من مال في تعليم الابن الذكر، بينما تخرج البنت مبكراً إلى العمل المنزلي أو الزواج المبكر، لأنها في النهاية ستغادر الأسرة إلى بيت زوجها، فلماذا ننفق عليها؟ هذا ليس جهلاً أو تخلفاً، بل هو حساب اقتصادي صارم في ظل شح الموارد، لكن نتائجه كارثية: جيل من الفتيات السودانيات في الشتات ينشأ بلا تعليم، بلا مهارات، بلا استقلال، فيصبحن أكثر استغلالاً من أمهاتهن، وأكثر هشاشة في مواجهة موجات الاستغلال القادمة.
يضاف إلى ذلك سلاح انعدام الجنسية، وهو الأكثر فتكاً في مواجهة الطفل اللاجئ لأن يضربه في جذوره. الطفل الذي يولد في مخيم لأم سودانية لا ينتمي قانونياً إلى أي دولة. دولة المخيم لا تمنحه جنسيتها، والسودان يشترط تسجيلاً رسمياً مستحيلاً في ظل الحرب، والدول الأخرى لا تعترف بوجوده. هذا الطفل يصبح عديم الجنسية، أي بلا هوية قانونية، بلا حق في التعليم الرسمي، بلا حق في الرعاية الصحية، بلا حق في العمل القانوني، بلا حق في السفر، بلا أي وجود في أي نظام قانوني. انعدام الجنسية هو شكل حديث من الموت المدني: الإنسان حي بيولوجياً لكنه ميت قانونياً، وبالتالي فهو عرضة للاستغلال بلا حدود لأن لا أحد يسأل عنه ولا يمكنه هو أن يسأل عن نفسه.
الأمومة في المنفى تتحول إلى عبء يتضاعف مع كل مولود جديد. كل طفل إضافي يعني فماً جائعاً، وجسداً يحتاج إلى رعاية، وشخصية تحتاج إلى توجيه، ومستقبلاً يحتاج إلى تمويل. في غياب الدولة والخدمات وشبكات الأسرة الممتدة، تتحمل الأم وحدها كل هذه الأعباء، وغالباً ما يكون الإنجاب خارج إرادتها بسبب غياب وسائل تنظيم الأسرة أو بسبب العنف الجنسي في الطريق أو المخيم. الأم التي تنجب في ظل هذه الظروف لا تختار، بل يُفرض عليها، ثم تُترك وحدها لتدبر أمر تربية هذا الجيل الجديد وسط الجوع والخوف والجهل.
الأطفال الذين يشهدون القصف والاغتصاب وفقدان الأهل والتهجير القسري لا يخرجون من هذه التجارب سالمين، والعلاج النفسي المتاح لهم، إن وُجد، لا يختلف عن علاج البالغين: جلسات محدودة، أدوية مسكنة، وخطاب "تكيف إيجابي" يطلب منهم نسيان الماضي والمضي قدماً. لكن الدماغ الطفل لا ينسى، والجسد الطفل يتذكر، والأطفال الذين يكبرون في المخيمات يبنون شخصياتهم حول غياب الأمان الدائم، ويكبرون وهم يحملون جيولوجياً من الصدمات التي ستنفجر في علاقاتهم المستقبلية وقدرتهم على الأبوة والأمومة وعلاقتهم بالعالم.
تعليم اللاجئين كما تقدمه المنظمات الإنسانية ليس مشروع تحرر بل استمرار لإدارة الفقر تحت مسمى "التعليم للجميع". فما الفائدة من تعليم فتاة وهي لا تملك وثيقة تسمح لها بالالتحاق بجامعة أو العمل في وظيفة رسمية؟ وما الجدوى من إرسال طفل إلى مدرسة لا تعلم بلغة يفهمها ولا بمنهج يعكس تاريخه وهويته؟ هذه المدارس تعلم الطفل كيف يقرأ ويكتب كي يكون موظفاً صغيراً أو عاملاً ماهراً في خدمة النظام نفسه، ولا تكشف له شيئاً عن أسباب فقره ولجوئه، بل تعزز وعيه الزائف بأن الخلاص يأتي بالاجتهاد الفردي لا بتغيير البنى.
كما قال باولو فريري في "تربية المضطهدين": "التعليم لا يصبح محرراً إلا حين يكشف للطالب أنه مضطهد ويعطيه أدوات تغيير واقعه." التغيير الحقيقي لا يأتي بتعليم طفل واحد القراءة، بل بتغيير الظروف التي تجعل من قراءته رفاهية لا يستطيع تحملها. الجيل القادم من السودانيين في الشتات، إذا لم تتغير البنى التي تنتج لجوءهم، سيظل جيلاً من العمالة الفائضة الهشة القابلة للاستغلال، وستكرر أمهاتهن نفس المأساة مع أطفالهن، وهكذا تدور عجلة الإفقار بلا نهاية.
النضال مستمر،،
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|