|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
!--a>
2026 / 6 / 21
تقف الأم اللاجئة في مخيم أو شقة مكتظة أمام موقدٍ بدائي، تطبخ لأطفالها ما تبقى من حصّة الطحين التي وزّعتها المنظمة قبل أسبوعين. في الصباح، كانت قد أنهت ثماني ساعات من العمل المنزلي في منزل عائلة، وغداً ستعود لتؤدي ذات العمل، وبعد غد كذلك. بين هذين العالمين – عملها المأجور والعمل الذي لا يُدفع له – تنسج المرأة خيط البقاء اليومي لعائلتها. طبخ، تنظيف، رعاية أطفال، متابعة شؤون المدرسة، تدبير الإيجار، مرافقة المريض إلى العيادة، ومئات التفاصيل الصغيرة التي لا تُحصى والتي تجعل الحياة ممكنة. الرأسمالية تسمّي كل هذا "عمالة منزلية" أو "رعاية أسرية"، وتُخرجه من حساباتها، وكأنه لا يستحق ثمنه.
هذا العمل الذي يبدو طبيعياً وبديهياً، والذي تنهض به النساء دون أن يُسألن عن أجره، هو في حقيقة الأمر العمود الفقري للنظام الاقتصادي كله. فبدون من يطهو الطعام، ويغسل الثياب، ويربي الأطفال، ويداوي المرضى، ويهتم بالمسنين، كيف يمكن لقوة العمل أن تُنتج وتُعيد إنتاج نفسها كل يوم؟ الرأسمالية تتفادى دفع كلفة هذا العمل بتسليمه إلى النساء مجاناً، وكأن أجسادهن ووقتهن وجهدن غير خاضعة لقوانين السوق. لكن لو احتسبت الرأسمالية هذه الكلفة كاملة، لانهارت أرباحها وفُضح سرّ بقائها.
في السودان قبل الحرب، كانت نساء الأسرة الممتدة والجيران يتقاسمن أعباء الرعاية. الجدة ترعى الأحفاد لتذهب الأم للعمل، والخالة تساهم بمال في علاج مريض، والجارات يتشاركن إعداد طعام العزاء أو الفرح. تلك الشبكات غير المرئية كانت بنية تحتية مجانية تعيد إنتاج الحياة كل يوم، دون أن تحصيها الإحصائيات أو تذكرها التقارير. لكن الحرب قضت على كل شيء، وفرقت الأسر في اتجاهات متعددة، وتركت كل امرأة تواجه وحدها كل هذه الأعباء التي كانت بالأمس موزعة على عشرين كتفاً. الأم التي كانت تعتمد على جارتها لإطعام طفلها حين تتأخر بالعمل، تجد نفسها اليوم وحيدة، تماماً، في مدينة غريبة لا تعرف فيها أحداً، ولا تستطيع أن تطلب العون من أحد.
هذه الوحدة في مواجهة الاحتياجات اليومية تحوّل حياة الأم اللاجئة إلى ماراثون لا ينتهي. تخرج صباحاً في السادسة للعمل المنزلي، تعود عند الثامنة مساءً لتطبخ وتنظف وتُراجع دروس أطفالها، ثم تخلد إلى النوم لتستيقظ باكرة وتعيد الكرة. هي مديرة أسرة، ومربية، وممرضة، ومحاسبة، ومسؤولة علاقات مع مكاتب اللجوء والمدارس والمستشفيات. هذا الدور المتعدد لا يمنحها أجراً إضافياً، ولا إجازة، ولا تأميناً صحياً، ولا تقديراً، بل هو ببساطة ما يفترض أن تقوم به لأنها امرأة، وكأن هذا العمل جزء من طبيعتها لا من جهدها ووقتها.
يضاف إلى هذا الحمل الثقيل إرهاق الأمومة في المنفى، حيث تفتقر إلى كل أشكال الدعم التي كانت توفرها الأسرة الكبيرة. حين تمرض ابنتها، لا تجد من يوصلها إلى المستشفى ومن تعتني ببقية الأطفال في غيابها. حين تحتاج إلى المال لشراء دواء، لا تجد من يقرضها أو يهديها دون سؤال. حين تتأخر عن العودة من العمل، لا تجد جارة تطعم أولادها أو تطمئن عليهم. كل التفاصيل الصغيرة التي كانت تدبر بالمجان وبالتعاون تجد الأم مضطرة لتأمينها بنفسها، وهي منهكة من يوم شاق من العمل خارج البيت.
الأطفال في هذه المعادلة يدفعون ثمناً لا يقل فداحة. حين تغيب الأم للعمل، يتحول الابن الأكبر أو البنت الكبرى إلى أم بديلة. يكبر الطفل بسرعة، ويتحمّل مسؤوليات تفوق عمره، ويضطر للتخلي عن طفولته وتعليمه ووقته الخاص لرعاية إخوته. هذه الظاهرة التي يسميها علم النفس "التنبيت" أو جعل الطفل والداً، تحمل آثاراً عميقة: الحرمان من الطفولة، التأخر الدراسي، الضغط النفسي المزمن، وتشكيل شخصية تعتبر الرعاية مصيراً لا خياراً. الفتاة التي تترعرع بهذه الطريقة ترى نفسها منذ نعومة أظفارها مربية ومعيلة، وما أن تبلغ الخامسة عشرة حتى تدخل في زواج مبكر، وكأنها تعيد إنتاج ذات الدورة مع أطفالها في المخيم الجديد.
أما الصحة الإنجابية للمرأة اللاجئة، فتخضع لمنطق السوق الإنساني أكثر مما تخضع لحاجاتها الفعلية. المنظمات غير الحكومية تقدم خدمات تنظيم الأسرة وفقاً لأولويات المانحين، فبعضها يربط تقديم المساعدات الصحية بقبول برامج محددة للحد من الإنجاب، وكأن حق المرأة في جسدها يباع ويشترى بحسب تمويل الجهة المانحة. الولادة في المخيم أو في سكن غير لائق تشكل خطراً صحياً حقيقياً، وتزداد وفيات الأمهات بين اللاجئات بشكل ملحوظ، لكن هذه الأرقام لا تثير ضجة، لأن حياة اللاجئة في ميزان الرأسمالية لا تزيد عن كونها عاملة أو جسداً يستغل.
في السودان قبل الحرب، لم تكن الدولة مثالية، لكنها كانت تقدم بعض الخدمات الصحية والتعليمية وإن كانت متواضعة. أما في المنفى، فتتولى المنظمات الإنسانية التي تعمل تحت رقابة صارمة من المانحين، فلا يفتح مشروع جديد إلا إذا كان متوافقاً مع خطة تمويلية محددة، ولا يُستمر في مشروع قائم إلا إذا جدد التمويل. المرأة التي تعاني من مرض مزمن تجد نفسها تتنقل بين عيادات متطوعة تفتح وتغلق، والأم التي تحتاج حليباً صناعياً لطفلها قد تفاجأ بأن التوزيع توقف لأن الميزانية انتهت. الجسد الأنثوي في هذه المنظومة يُترك وحيداً يواجه الفراغ المؤسسي.
تجاهل المنظمات الإنسانية لعمل إعادة الإنتاج الاجتماعي ليس مجرد نسيان، بل هو اختيار ضمن أولوياتها. فهي تتحدث عن المساعدات الإنسانية بالمعنى الضيق: طعام، دواء، خيمة، ثم تهمل العمل اليومي الذي يحول هذه المواد إلى حياة فعلية. الطبخ، التنظيف، الرعاية، التربية، كل ذلك يترك للنساء، وكأنه لا يستحق الدعم أو التقدير. هذا التجاهل يوفر على المنظمات مبالغ طائلة، إذ لو كان عليها أن تدفع أجراً لمن يؤمن هذه الخدمات، لانهارت ميزانياتها وفُضح حجم استغلالها.
تقول سيلما جيمس في تحليلها للعمل المنزلي: "العمل المنزلي هو إنتاج قوة العمل نفسها، وحين تُخفيه الرأسمالية فإنها تُخفي نصف ركائز نظامها." كلامها ينطبق تماماً على واقع اللاجئة السودانية التي تؤدي بجهدها اليومي ما يبقي أطفالها على قيد الحياة ويعيد إنتاج القوى العاملة القادمة التي ستدخل أسواق العمل الهشة. إعادة الإنتاج الاجتماعي ليست ترفاً يمكن تأجيله، بل هي جوهر الصراع الطبقي والجندري في آن واحد. تحرر المرأة اللاجئة الحقيقي يبدأ بإعادة الاعتبار لهذا العمل، بتقدير قيمته، وبالمطالبة بتقاسم أعبائه بين الجميع، لا أن يظل محملاً على كاهل النساء دون أجر ولا اعتراف ولا حقوق.
النضال مستمر،،
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|