الفقه على المذاهب الأربعة والحجر على تطور التفكير عند المسلمين



الناصر خشيني
2026 / 6 / 21

مقدمة
يحتل كتاب "الفقه على المذاهب الأربعة" للشيخ عبد الرحمن الجزيري، الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1939، مكانة مرجعية واسعة الانتشار في الوعي الفقهي الشعبي للمسلمين، لكونه يجمع بين دفتيه اجتهادات المذاهب السنية الأربعة: الحنفي (المتوفى مؤسسه سنة 150ه)، والمالكي (المتوفى 179ه)، والشافعي (المتوفى 204ه)، والحنبلي (المتوفى 241ه) [1]. وهو كتاب يستحق التوقف عنده ليس لقيمته العلمية المجردة فحسب، بل بصفته نموذجا كاشفا لمعضلة أعمق تتعلق بعلاقة المسلمين المعاصرين بتراثهم الفقهي: هل هذا التراث نص ديني مقدس يجب الانصياع له بحرفيته، أم هو مجرد اجتهاد بشري نشأ في سياق تاريخي محدد ولا قداسة له تجعله عصيا على المراجعة والتطوير؟
هذا المقال يسعى إلى مساءلة هذا الإشكال عبر محورين متكاملين: الأول نقدي يفحص القيمة العلمية لكتاب الجزيري بالذات استنادا إلى مؤاخذات علماء مختصين، والثاني تأصيلي يضع الفقه الإسلامي عموما في موقعه الصحيح كمنتج بشري تاريخي، يقابله القرآن الكريم بصفته نصا إلهيا مطلقا متجاوزا لحدود الزمان والمكان.
المحور الأول: السياق التاريخي لنشأة الفقه المذهبي
نشأت المذاهب الفقهية الأربعة خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة، في بيئة اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية معينة، وضمن مستوى حضاري ومعرفي يخص ذلك الزمن بعاداته وتقاليده ووسائله المتاحة [2]. وهذا أمر طبيعي لا غبار عليه من حيث المبدأ؛ فكل اجتهاد بشري هو بالضرورة ابن بيئته. لكن المعضلة تبدأ حين يُراد تعميم تلك الاجتهادات على كل العصور اللاحقة، وكأن الزمن قد توقف عند تلك المرحلة، وكأن الحياة البشرية لم تتطور منذ ذلك الحين بوسائلها وعلومها وأدواتها المعرفية.
والفارق الجوهري الذي يجب التأكيد عليه هو أن هذا الفقه ليس دينا في ذاته، بل هو رؤى ومحاولات فهم بشرية للنص الديني، تتأثر بظروفها وزمانها، وبالتالي فهي محدودة وغير مطلقة، بخلاف النص القرآني الذي هو وحي إلهي يتجاوز حدود الزمان والمكان لأن مصدره ليس بشريا محدودا. هذا التمييز بين النص المطلق والاجتهاد البشري النسبي هو حجر الزاوية في أي مراجعة جادة للتراث الفقهي.
المحور الثاني: مؤاخذات العلماء على كتاب الجزيري
رغم أن المؤلف وصف عمله في مقدمته بأنه بذل فيه مجهودا كبيرا ورتب مسائله ترتيبا دقيقا [3]، فإن الكتاب لم يخل من مؤاخذات علمية جدية رصدها باحثون مختصون، يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط:
أولا، عدم تحرير المعتمد من الأقوال عند كل مذهب. فقد اعتمد المؤلف في بعض المسائل على القول المرجوح بدل المعتمد عند المذهب، وتتبع باحثون أخطاء له في نسبة الأقوال إلى أصحابها، وإن لم يكن ذلك في كل ما كتب [4].
ثانيا، غياب التوثيق العلمي للنصوص. إذ لا يعزو المؤلف أي مقولة إلى مصدرها أو إلى مرجعها الفقهي الأصلي، وهو عيب منهجي جوهري حتى لو أوضح أن مادته مستمدة من الكتب الفقهية الأصلية. وقد عبّر الشيخ يوسف الشبيلي عن هذا بقوله إنه لا ينصح بالاعتماد على الكتاب لما فيه من خلط [5]، بينما لاحظ الشيخ محمد البلتاجي، في مقالة نشرها بمجلة "الدارة" عام 1977، أن الكتاب أُخلي بصورة مطلقة من المراجع التي يسهل على المثقفين غير المتخصصين الرجوع إليها وفهمها، كما أُخلي من بعض أدلة المذاهب التي لا يصعب إدراكها على هذه الفئة [6].
ثالثا، نقص الكتاب وعدم اكتماله. وقد نُقل عن الشيخ عبد الكريم الخضير وصفه للكتاب بأنه غير كامل، وأنه ينقل بعض المذاهب من كتب غير مشهورة فيها، ويعتمد روايات غير معمول بها في تلك المذاهب [7].
ولهذه الأسباب جميعا، يرى المختصون أن الكتاب لا يصلح مرجعا لمن أراد معرفة الراجح والمعتمد في أقوال المذاهب الأربعة، وأن الأصوب الرجوع إلى المصادر المعتمدة في كل مذهب، أو إلى المصنفات الجامعة الموثوقة كـ"المجموع" للنووي، و"المغني" لابن قدامة، أو إلى الموسوعة الفقهية الكويتية المعاصرة التي اشتغل فيها عشرات الباحثين وتميزت بتحرير أقوال المذاهب من مصادرها الأصلية [8].
المحور الثالث: من نقد الكتاب إلى نقد المنهج — تجميد الحياة عند نمط القرنين الثاني والثالث
لكن الإشكال الأعمق الذي يستحق المقال أن يتجاوز حدود النقد الببليوغرافي إلى مستوى تحليلي أشمل، هو أن هذا الكتاب — بصرف النظر عن عيوبه التقنية — يجسد بأمانة عقلية فقهية أوسع ظلت تكرس، حتى يومنا هذا، أنماط حياة عاشها الناس في القرنين الثاني والثالث للهجرة، بكل ما تحمله تلك الأنماط من خصوصية تاريخية. ويمكن ملاحظة ذلك في ثلاثة مجالات بالذات:
في موضوع المرأة، حافظ هذا الفقه على تكريس صور من امتهان المرأة واحتقارها لا تتناسب مع ما ورد في القرآن الكريم من تقدير لها وثورة حقيقية على موروثات المجتمع الجاهلي. والمفارقة أن الفقه، في هذا الباب، بدا أقرب إلى إعادة إنتاج الذهنية الجاهلية منه إلى استكمال المشروع التحريري الذي أسسه القرآن، فعَزَل بذلك النص القرآني عن واقع حياة الناس بدل أن يكون أداة تفعيله [9].
وفي باب الطهارة، ظل الفقه محافظا على المعيار الذي قال به الأئمة في القرون الأولى، وهو أن الماء الصالح للطهارة هو ما لم يتغير لونه ورائحته ومذاقه، باستثناء ماء البحر، دون أن يستفيد من ما بلغه العلم الحديث من أدوات التحليل الكيميائي والبيولوجي الدقيق التي تمكّن من تحديد مدى أمان المياه للاستهلاك البشري شربا أو طهارة، بمعايير أدق بكثير من معايير اللون والرائحة والمذاق التي كانت متاحة لأهل ذلك العصر [10].
وفي باب الوصية، حافظ الفقهاء على استبعاد الوصية لما يتجاوز الثلث ومنعها على الورثة، استنادا إلى حديث مشهور في هذا الباب، وذلك بخلاف ما يفهم من عموم النصوص القرآنية المتعلقة بالميراث والعدل في توزيع الأموال. وبالجملة، فإن هذا النموذج من المصنفات الفقهية ظل، في غالب أبوابه، حبيس لحظته التاريخية، وكأن الحياة لم تتطور، وكأن الفقه الإسلامي لا ينبغي أن يساير تطورها [11].
المحور الرابع: أثر هذا الجمود على الوعي الإسلامي المعاصر
إن خطورة كتاب من هذا النوع لا تكمن في كونه مرجعا معيبا تقنيا فحسب، بل في كونه ساهم — بفعل انتشاره الواسع في المكتبات والمعاهد الشرعية وأوساط الدعاة غير المتخصصين — في ترسيخ وهم مفاده أن ما اجتهد فيه الأئمة الأربعة في زمانهم هو الإسلام نفسه، وأن أي محاولة لمراجعته أو تطويره هي خروج عن الدين. وهذا خلط منهجي خطير بين النص المقدس المطلق وبين الفهم البشري النسبي له، خلط ساهم في تعطيل ملكة الاجتهاد عند المسلمين لقرون طويلة، وحوّل الفقه من أداة لخدمة الحياة وتنظيمها إلى قيد يكبّل الحياة ويحاكمها إلى معايير عصر غابر.
خاتمة
إن المراجعة النقدية لكتاب "الفقه على المذاهب الأربعة" تكشف، بما لا يدع مجالا للشك، أن هذا التراث الفقهي إنما هو اجتهاد بشري محدود بظروف زمانه ومكانه، وليس نصا دينيا مقدسا يحرم الاقتراب منه. والفقه، بحكم طبيعته الاجتهادية، ليس غاية في ذاته بل وسيلة لفهم النص المطلق وتطبيقه على واقع متغير. فإذا تجمد الفقه عند صيغ القرنين الثاني والثالث للهجرة وظروفهما الاجتماعية والمعرفية، فإنه يفقد وظيفته الأصلية ويتحول من أداة لخدمة الحياة إلى عائق أمام تطورها.
ولذلك فإننا نؤكد، في ختام هذا المقال، أن الفقه الإسلامي يجب أن يكون متطورا تبعا لنسق الحياة ومتغيراتها، فلا يُعقل أن يستمر المسلمون في الاحتكام إلى ما كتبه الأولون قبل أكثر من اثني عشر قرنا، ونحن اليوم نعيش عصر الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي وثورة المعلومات والتحليل العلمي الدقيق. فالقرآن الكريم، بصفته النص المطلق الوحيد، يبقى صالحا لكل زمان ومكان بقدر ما يُحسن المسلمون تجديد فهمهم له بما يتناسب مع معارف عصرهم، أما الفقه فهو اجتهاد بشري قابل دوما للمراجعة والتطوير والتجاوز، وإلا تحول من خادم للدين إلى حاجب بينه وبين الحياة.
الهوامش والمراجع
[1] عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، الطبعة الأولى، 1939، مع الإشارة إلى تواريخ وفاة مؤسسي المذاهب الأربعة: أبو حنيفة (150ه)، مالك بن أنس (179ه)، الشافعي (204ه)، أحمد بن حنبل (241ه).
[2] انظر السياق التاريخي العام لنشأة المذاهب الفقهية في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وما رافقه من ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية خاصة بتلك المرحلة.
[3] عبد الرحمن الجزيري، مقدمة كتاب الفقه على المذاهب الأربعة.
[4] ملاحظات باحثين متعددين حول عدم تحرير المؤلف للمعتمد من أقوال المذاهب واعتماده في بعضها على المرجوح، مع وقوع أخطاء في نسبة بعض الأقوال إلى أصحابها.
[5] الشيخ يوسف الشبيلي، فتوى/جواب حول كتاب الفقه على المذاهب الأربعة.
[6] محمد البلتاجي، مقالة منشورة في مجلة "الدارة"، 1977.
[7] عبد الكريم الخضير، تعليق منقول حول نقص الكتاب واعتماده على روايات غير معمول بها في بعض المذاهب.
[8] الإمام النووي، المجموع شرح المهذب (لم يُتمّه)؛ ابن قدامة، المغني؛ الموسوعة الفقهية الكويتية، إصدار جماعي بمشاركة عشرات الباحثين والعلماء.
[9] قياس مضامين الفقه الموروث في باب المرأة بمقارنتها بما تضمنه القرآن الكريم من تقدير للمرأة ومراجعة لموروثات المجتمع الجاهلي.
[10] مقارنة معيار الطهارة الفقهي التقليدي (عدم تغير اللون والرائحة والمذاق) بإمكانات التحليل الكيميائي والبيولوجي الحديث لتقييم سلامة المياه.
[11] الحديث المعتمد فقهيا في تحديد سقف الوصية بالثلث ومنعها على الورثة، في مقابل عموم النصوص القرآنية المتعلقة بالميراث.